الأحزاب التي تتباكى على تبخيس صورة العمل السياسي، هي ذاتها التي لا تجد أدنى حرج في خرق الدستور والقانون، من خلال تكريس سلوك انتهازي ممنوع، بل ومعاقب عليه.
الأمر يتعلق بـ”الترحال السياسي” الذي تحول هذه الأيام إلى بورصة ساخنة، تُعقد فيها الصفقات بـ”العلالي”، وتُقدم فيها وعود المناصب، وضمانات التزكية لمن يرغبون في تغيير جلدهم الحزبي لنحصل على برلمان “فرنكشتاين”.
من يشرفون على هذه الصفقات هم ذاتهم أمناء الأحزاب السياسية الذين يصدعون رؤوس المغاربة بضرورة الإصلاح، والتغيير، والقطع مع الممارسات القديمة المسيئة للعمل السياسي ولصورة البلد وهم يشرفون على تجمعات “الشيخات” واللحم بالبرقوق.
في ظرف أيام قليلة، غيّر عشرات المرشحين للانتخابات لونهم السياسي، وجلدهم الحزبي أكثر من مرة.
النتيجة أننا عاينا “ألبوم” صور يجمعهم، وفي ظرف وجيز، بعدد من أمناء الأحزاب الذين يتحملون اليوم كامل المسؤولية عما يحدث في سوق “التزكيات”.
اليوم، ومع اقتراب موعد الانتخابات، اتخذ “الترحال السياسي” أشكالاً أكثر ابتذالاً، مع منتخبين يغيرون انتماءهم كالجوارب.
مرشحون يقفزون من حبل لآخر بانتهازية تكشف أن الأمر لا يتعلق بنخب تتنافس بالمشاريع والأفكار والبرامج، بل بكائنات همها تحقيق مصالحها الشخصية، والوصول إلى المناصب، ووضع اليد على صنابير المال العام من بوابة الانتخابات.
سلوك يتقاسمه معظم السياسيين الذين أيقنوا أن استرجاع ثقة جزء واسع من المغاربة، وإقناعهم بأهمية العملية الانتخابية وجدواها في صنع القرار وإحداث الفرق في حياتهم وواقعهم المعيشي، صار مستحيلاً.
هذا المنطق، الذي يتعامل مع الانتخابات كمجرد سوق أو موسم ينعقد كل مدة زمنية، هو عامل إضافي يزيد من كفر الناس بالسياسة، وتكريس الصورة النمطية للمرشحين وللفاعل السياسي والحزبي عموماً، كما يؤثر، وبشكل فادح، على مصداقية المؤسسات التي تولد من عمليات انتخابية تحتاج دوماً إلى عملية تنفس صناعي، و”يد القابلة”.
الأحزاب التي تجاوزت عقدة العزوف بفضل العصا السحرية للقاسم الانتخابي، الذي نزلت عليها كهدية مسمومة، كان عليها أن تجتهد في وضع بدائل وتقديم عروض تتماهى مع انتظارات الشارع، الذي طرق جدران الخزان أكثر من مرة، وبعث برسائل كثيرة تم التعامل معها إما بالإنكار، أو الصمت، أو بعقلية المؤامرة، كما حدث في حملة المقاطعة.
كان على الأحزاب أن ترفع “النيفو” ولو قليلاً، وأن تسهم في إغناء النقاش العمومي، وطرح تصورات حقيقية وواقعية وجريئة للإصلاحات السياسية التي يجب أن تترافع بشأنها لكي ترى النور فعلاً، لا أن تتحول إلى قنطرة لصفقات جديدة توصل إلى المناصب وعربة السلطة، كما تعودنا.
“التبزنيس” الذي يتم حالياً يكشف، ومن جديد، أن معظم الأحزاب ينخرها “السوس” من الداخل، وتأبى إلا أن تخلف الموعد في كل مرة، بعد أن تهربت من إصلاح العطب الموجود في طريقة تعاطيها مع التزكيات، مع إعادة النظر في أنظمتها الأساسية وبرامجها.
المفارقة أن هذه الأحزاب هي ذاتها التي لطالما اشتكت من “الترحال السياسي”، لكنها اليوم صارت عارية بعد أن تم منع “الترحال” بموجب الدستور والقوانين التنظيمية.
أحزاب لا تزال عاجزة عن انتقاء مرشحيها في ظل غياب معايير واضحة، علماً أن القانون التنظيمي للأحزاب يتحدث عن لجنة الأخلاقيات، ولجنة الترشيحات، لأن ما يهمها في النهاية هو النتائج، في ظل تهافت الأمناء العامين على الحقائب الوزارية.
أمام هذا الوضع، من الطبيعي أن نسمع أن عدداً ممن صدرت في حقهم قرارات بناءً على تقارير سوداء، أو حصلوا على براءة طارئة، يراهنون على العودة بقوة في الاستحقاقات المقبلة، مستفيدين من ضعف الإقبال على الترشح، وحاجة عدد من الأحزاب إلى “شناقة” قادرين على ضخ الأصوات.
كما صار طبيعياً أن نسمع بعودة موضة شيكات الضمان والاعتراف بالدين، لـ”تكبيل” عدد من “المستشارين” بهذه الطريقة، لضمان ولائهم.
بعد كل هذا، صار الحديث عن استخلاص الدروس من أزمة “الثقة” مجرد نكتة سمجة، لأن أزمتنا الحقيقية هي مع “الانتهازيين”.







