عاد قرار قضائي صادر عن محكمة النقض إلى واجهة النقاش القانوني بالمغرب خلال الأيام الأخيرة، بعد إعادة تداوله على نطاق واسع من طرف مختصين ورجال قانون، لاسيما لما يثيره من تساؤلات حول حدود الخطأ الجسيم في علاقة الشغل، وما إذا كان النوم داخل مقر العمل يشكل سببا قانونيا يبرر فصل الأجير من عمله دون تعويض.
ويتعلق الأمر بالقرار عدد 1090/1 الصادر بتاريخ 5 دجنبر 2017 في الملف الاجتماعي عدد 2016/1/5/1762، والذي حسمت فيه محكمة النقض بأن الأجير الذي يترك عمله دون سبب مشروع ليخلد إلى النوم يكون قد أخل بالتزاماته المهنية وارتكب خطأ جسيما يبرر فصله من العمل دون تعويض.
وتعود وقائع الملف إلى دعوى قضائية رفعها أجير في مواجهة مشغلته بعدما تم فصله من العمل، ملتمسا الحكم له بالتعويضات المترتبة عن الفصل، قبل أن تقضي المحكمة الابتدائية بأداء مجموعة من التعويضات لفائدته، وهو الحكم الذي أيدته محكمة الاستئناف، لتلجأ الشركة إلى الطعن فيه أمام محكمة النقض.
وأفادت الشركة، بحسب ما ورد في القرار القضائي المنشور بمجلة “أحكام محكمة النقض”، بأن الأجير ترك مكان عمله وخلد إلى النوم أثناء فترة العمل، معتبرة أن الأمر يتعلق بخطأ جسيم يبرر إنهاء العلاقة الشغلية، في حين تمسك الأجير بأن النوم لفترة وجيزة أثناء العمل لا يرقى إلى مستوى الخطأ الجسيم المنصوص عليه في مدونة الشغل.
ودفع الأجير كذلك بأن المادة 39 من مدونة الشغل، التي حددت الأخطاء الجسيمة، لم تنص صراحة على اعتبار النوم أثناء العمل سببا للفصل، معتبرا أن ما وقع لا يعدو أن يكون غشا في العمل لا يبلغ درجة خيانة الأمانة أو التغيب عن العمل بالمفهوم القانوني.
غير أن محكمة النقض ذهبت في اتجاه مغاير، مؤكدة أن عقد الشغل من العقود الملزمة للطرفين، وأن من أهم التزامات الأجير أن يضع نفسه رهن إشارة مشغله خلال الوقت المتفق عليه لتنفيذ العمل المكلف به، مع بذل العناية اللازمة في أداء مهامه.
وشددت المحكمة على أن الأجير يظل مسؤولا عن أفعاله وإهماله أو تقصيره أو عدم احتياطه أثناء تنفيذ عقد الشغل، استنادا إلى مقتضيات المادة الثانية من مدونة الشغل والفصل 737 من قانون الالتزامات والعقود.
وأبرز القرار أن ترك الأجير لعمله دون سبب مشروع من أجل النوم يشكل إخلالا بالتزاماته المهنية، مضيفا أن واقعة النوم التي ثبتت في النازلة المعروضة تمثلت في خلوده للنوم داخل مكتبه من الساعة الثانية صباحا إلى غاية السادسة صباحا، وهو ما اعتبرته المحكمة خطأ جسيما يبرر إنهاء العلاقة الشغلية.
ولم تقف محكمة النقض عند مجرد واقعة النوم في حد ذاتها، بل ربطتها بمدة الانقطاع عن أداء العمل وترك المهام الموكولة للأجير دون مبرر مشروع، معتبرة أن الأجير يكون قد تخلى خلال تلك الفترة عن تنفيذ التزاماته العقدية تجاه مشغله.
كما رفضت المحكمة الدفع القائل بضرورة إجراء خبرة تقنية أو بحث مع الأطراف والشهود لإثبات أثر النوم على السير العادي للمقاولة، معتبرة أن الثابت في الملف هو مغادرة الأجير لمهامه وخلوده للنوم لساعات أثناء العمل، وهو ما يكفي لتكييف الفعل باعتباره خطأ جسيما.
وانتهت محكمة النقض إلى نقض وإبطال القرار الاستئنافي المطعون فيه وإحالة القضية على نفس المحكمة للبت فيها من جديد بهيئة أخرى طبقا للقانون، مؤكدة في قاعدتها القانونية أن “الأجير الذي يترك عمله دون سبب مشروع ليخلد للنوم يكون قد أخل بالتزامه، وبذلك فهو يرتكب خطأ جسيما يبرر فصله من العمل دون مبرر”، وأن “واقعة النوم في مكاتب العمل من الساعة الثانية صباحا إلى غاية الساعة السادسة صباحا تشكل خطأ جسيما مبررا لإنهاء العلاقة الشغلية”.
ويعيد هذا القرار، الذي عاد إلى التداول بعد سنوات من صدوره، تسليط الضوء على السلطة التقديرية للقضاء في تكييف الأفعال المرتكبة أثناء تنفيذ عقد الشغل، إذ إن الخطأ الجسيم لا يرتبط فقط بما ورد على سبيل المثال في المادة 39 من مدونة الشغل، وإنما كذلك بمدى إخلال الأجير بالتزاماته الأساسية الناشئة عن عقد العمل وما يترتب عن ذلك من مساس بتنفيذ مهامه المهنية.







