في مشهد يعكس أزمة الذاكرة التنظيمية لدى بعض القيادات الحزبية، خرج رشيد الطالبي العلمي، القيادي البارز في حزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس مجلس النواب، بموقف حاد خلال مؤتمر الحزب بالعرائش. فقد هاجم الطالبي العلمي البرلماني محمد السيمو وابنته مكيلاً لهما اتهامات “الخيانة” و”خدمة أجندات أخرى”، وذلك على خلفية قرار الأسرة التخلي عن تزكية “الحمامة” والانضمام لدعم حزب الأصالة والمعاصرة. غير أن هذه الخرجة، التي حاولت الظهور بمظهر المدافع عن الانضباط الحزبي، سقطت في فخ “التناقض الصارخ والذاكرة القصيرة”، متناسية التاريخ القريب لذات الحزب وللطالبي العلمي نفسه.
وجاء إعلان الطالبي العلمي عن ترشيح عبد الحكيم الأحمدي باسم “الأحرار” في العرائش ليحسم الجدل حول مستقبل محمد السيمو. لكن لغة الخطاب لم تكن عادية؛ إذ غلبت عليها الاتهامات المبطنة بـ “الخيانة” و”التنكر لمبادئ الحزب”، مهددا بكشف “ملفات وخلفيات” لم يحن وقتها بعد.
هذا الهجوم وُصف في كواليس المشهد السياسي بأنه “رد فعل ارتباكي” ناجم عن الضربة الموجعة التي تلقاها الحزب بفقدان إحدى أبرز العائلات السياسية والخزانات الانتخابية التي صنعت “مجد الأحرار” بالمنطقة لسنوات، حيث كان السيمو وقواعده العائلية المحرك الأساسي لحصد الأصوات، قبل أن يتحول بين عشية وضحاها من “عماد الحزب” إلى “خائن للأمانة” بمجرد تغير وجهته السياسية نحو “البام”.”.
الجانب الأكثر إثارة للاستغراب في خرجة الطالبي العلمي هو تناسيه التام لتاريخ حزبه في استقطاب الأعيان والبرلمانيين من أحزاب أخرى بالطريقة ذاتها، بل وبمشاركة مباشرة من رموز “الأحرار”.
فالتاريخ السياسي القريب شاهد على محطات ظل فيها “الترحال السياسي” ممارسة عادية وذكية حين تستفيد منها قيادة “الأحرار”. فعندما غادر محمد السيمو سابقاً حزب الحركة الشعبية أو تنقل بين المحطات الانتخابية بدعم صريح من قيادات عليا في “الأحرار” (حين كان يقال عنه إنه “راجل مزيان وكتافو سخان وماكينة حصاد للأصوات على لسان قيادات الحزب في محطات سابقة)، كان ذلك يُعتبر “مكسبا سياسيا كبيرا”. أما اليوم، وحين اختارت العائلة الوجهة المعاكسة نحو الأصالة والمعاصرة، انقلب المعيار وأصبح الفعل نفسه يُصنف في خانة “الموبقات السياسية”.
ولم تتوقف مفارقات الطالبي العلمي عند حدود ازدواجية المعايير الحزبية، بل تعدتها إلى ما هو أعمق على مستوى المصداقية السياسية. فالرجل الذي يريد اليوم الظهور بمظهر “المتشبث بالمبادئ والأخلاق الحزبية”، هو نفسه الذي تشير المعطيات والكواليس إلى أنه كان يوزع الوعود في “الجلسات الخاصة” ويؤكد أن محمد السيمو سيكون داعماً ووازناً في معادلات “البام”، قبل أن تنقلب الحسابات وتتحول الوعود السرية إلى هجمات علنية.
إن هجوم الطالبي العلمي على محمد السيمو بالعرائش ليس سوى مرآة حقيقية لواقع الممارسة الحزبية الموسمية، حيث تتحول المبادئ والأخلاق السياسية إلى شعارات مرنة تطوع حسب المصالح الظرفية للأشخاص.
وحين تغيب القراءة النقدية الذاتية وتُستبدل بلغة التخوين وشيطنة حلفاء الأمس، يتبين جلياً أن أزمة الأحزاب الكبرى ليست في مغادرة هذا الشخص أو ذاك، بل في عجز قياداتها عن مواجهة الحقيقة والاعتراف بأن القواعد الانتخابية لم تعد تحركها صكوك الغفران الموسمية، بل المصالح والتدبير الميداني المستمر.
وفي الجوهر، تثبت هذه التطورات أن الديمقراطية ومبادئها الحزبية لا يمكن تجزئتها أو تفصيلها على مقاس الأهواء الشخصية والمصالح الانتخابية الضيقة. صحيح أن لجوء حزب الأصالة والمعاصرة إلى سياسة “التعزيزات في آخر لحظة” واستقطاب الأعيان يظل سلوكاً مطعوناً في مشروعيته الأخلاقية والسياسية؛ غير أن “تباكي” حزب التجمع الوطني للأحرار على وقع هذه الممارسات لا يبعث سوى على الغثيان ويثير هستيريا من “الضحك الأسود”.
فأن ينصب حزب “الحمامة” نفسه مدافعاً عن الطهارة الحزبية والأخلاق السياسية، هو نسيان مقصود لكونه “عراب الاستقطابات” التاريخي، والرائد بلا منازع لـ” ميركاتو الأعيان”، وجلب “مالين الشكارة” وأصحاب المصالح كلما اقترب موسم “حصد المقاعد” والتسابق على “الهموز الانتخابية”…







