قطع فوزي لقجع الشك باليقين، والتحق رسميا بحزب الأصالة والمعاصرة، منهيا شهورا طويلة من التكهنات والتأويلات التي أحاطت بمستقبله السياسي. ظهور الرجل في المجلس الوطني للحزب لم يكن مجرد حضور بروتوكولي أو مشاركة في نشاط تنظيمي، بل كان إعلانا عن ميلاد مرحلة سياسية جديدة، ينتقل فيها أحد أكثر رجالات الدولة نفوذا وتأثيرا من مربع التدبير العمومي إلى قلب المنافسة الحزبية، في توقيت لا يمكن فصله عن العد العكسي لانتخابات 2026.
هذا الالتحاق لم يكن مفاجئا بقدر ما كان تتويجا لمسار من الإشارات التي ظل المتابعون يلتقطونها خلال الأشهر الأخيرة. لكن اللحظة التي اعتلى فيها لقجع منصة “البام” وضعت حدا لكل التأويلات، وأرسلت رسالة واضحة إلى المشهد السياسي: حزب الأصالة والمعاصرة قرر أن يدخل معركة 2026 بأحد أثقل الأسماء داخل الدولة.. وعينه على رئاسة الحكومة.
فوزي لقجع ليس سياسيا تقليديا تدرج داخل هياكل الأحزاب، ولم يصنع شهرته من خلال الخطابات الانتخابية أو المنابر البرلمانية. إنه رجل الإدارة والملفات الثقيلة، والوجه الذي ارتبط اسمه بإصلاح المالية العمومية، وبإعادة هيكلة عدد من الأوراش الكبرى، وبالطفرة غير المسبوقة التي عاشتها كرة القدم المغربية، من تنظيم وتسيير إلى إنجازات جعلت المغرب رقما صعبا قاريا ودوليا.
طوال سنوات، ظل لقجع حاضرا في قلب القرار دون أن يكون حاضرا داخل أي تنظيم سياسي. كان التكنوقراطي الذي يحظى بثقة المؤسسات، والمسؤول الذي يفضل لغة الأرقام على لغة الشعارات، ولغة الإنجاز على لغة المزايدات. ولذلك ظل السؤال يتكرر كلما اقترب موعد انتخابي، حتى في انتخابات 2021: متى يقرر لقجع دخول السياسة من بابها الحزبي؟
يدرك حزب الأصالة والمعاصرة أن الانتخابات المقبلة لن تكون معركة برامج فقط، وإنما معركة قيادات أيضا. فبعد سنوات من تراجع الثقة في جزء من النخبة السياسية، أصبح الناخب يبحث عن وجوه ارتبطت بالنتائج أكثر من ارتباطها بالشعارات. ومن هذه الزاوية، يبدو لقجع ورقة استثنائية داخل حسابات الحزب.
الرجل يحمل رصيدا يصعب تجاهله. فمنذ توليه مسؤولياته في وزارة الاقتصاد والمالية، ارتبط اسمه بعدد من الإصلاحات المالية الكبرى، كما تحول إلى أحد أبرز الوجوه الحكومية المكلفة بالملفات الاستراتيجية. وفي الوقت نفسه، نجح في قيادة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى مرحلة غير مسبوقة، كان أبرز عناوينها بلوغ المنتخب الوطني نصف نهائي كأس العالم بقطر، والفوز بتنظيم كأس إفريقيا للأمم، ثم تنظيم كأس العالم 2030 رفقة إسبانيا والبرتغال، وقبل أيام بلوغ المنتخب الوطني لكرة القدم ربع نهائي كأس العالم.
هذا التراكم جعل لقجع يتجاوز صورة المسؤول الإداري، ليصبح أحد أكثر الشخصيات العمومية حضورا في الوعي الجماعي للمغاربة، سواء اتفقوا معه أو اختلفوا حوله. وهي قيمة انتخابية يدرك “البام” أهميتها جيدا.
لكن انتقال لقجع إلى الحزب ليس مكسبا للحزب وحده، بل هو أيضا مخاطرة سياسية بالنسبة للرجل نفسه. فالإدارة تختلف عن السياسة، والنجاح في تدبير الملفات لا يعني بالضرورة النجاح في كسب أصوات الناخبين. ففي عالم السياسة لا يكفي أن تحقق الإنجاز، بل عليك أن تنجح تسويقه، وأن تواجه خصوما، وأن تخوض معارك ميدانية، وأن تتحمل كلفة الانتماء الحزبي بكل ما يحمله من انتقادات ومواجهات صعبة.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأصعب بالنسبة لفوزي لقجع. فالرجل الذي اعتاد أن يقيم بالأرقام والمؤشرات سيجد نفسه أمام “محكمة” الرأي العام والناخبين، حيث لا توجد معادلات ثابتة، ولا نتائج مضمونة.
أما بالنسبة لحزب الأصالة والمعاصرة، فإن الرهان يبدو واضحا: تقديم لقجع باعتباره نموذجا لرجل الدولة القادر على تحويل الخبرة الإدارية إلى مشروع سياسي، واستثمار رصيده الشعبي والمؤسساتي لإعادة رسم موازين القوى قبل انتخابات 2026.
ولا يخفى أن استقطاب شخصية بحجم لقجع يحمل أيضا رسائل إلى المنافسين، مفادها أن الحزب لا يكتفي بتجديد خطابه، بل يسعى إلى تجديد نخبه بأسماء تمتلك وزنا داخل مؤسسات الدولة وخارجها، وقادرة على استقطاب فئات من الناخبين لا تنجذب عادة إلى الخطاب الحزبي التقليدي..حتى وإن كان استقطاب هذه الشخصية بالضبط فيه ما فيه من كواليس قد تنكسف مع مرور الأيام.
لكن المؤكد اليوم هو أن التحاق فوزي لقجع بـ”البام” ليس مجرد خبر حزبي عابر، بل حدث سياسي من العيار الثقيل، قد يكون أحد أبرز العناوين التي ستشكل ملامح المشهد الانتخابي المغربي خلال السنوات المقبلة.. اللهم إذا وقعت مفاجآت غير متوقعة في نتائج الانتخابات، وتحول التحاق لقجع إلى مجرد ورقة “محروقة” لرجل يراه الكثيرون في مواقع أخرى تخدم البلاد أكثر من موقع الحزب أو حتى رئاسة الحكومة.







