“رذائل الأغنياء والعظماء مجرد أخطاء صغيرة في نظر المجتمع، أما رذائل الفقراء والضعفاء فهي جرائم يعاقب عليها القانون” كونتيسة بلسنجتون
مع توالي تقارير المجلس الأعلى للحسابات، التي كان يجب أن تكون تقارير عادية في ظل ممارسة الدولة لمبدإ الرقابة على مؤسساتها وتفعيل ربط المسؤولية بالمحاسبة كتقليد في دولة الحق والقانون، أحس كما لو أن هناك مُخرجاً ذكيا وراء الستار يختار التوقيت المناسب والمشهد الدرامي الملائم من أجل تأجيج عناصر الفُرجة أو لممارسة طقوس التطهير النفسي الجماعي، والصحافة مستعدة في ظل شح المعلومات والكسل المهني، لتعمل على تفجير فائض الطاقة المعطلة من السخط والغضب وإدخال الناس في نعيم عالم فرجوي ولو إلى حين..
تقارير المجلس الأعلى للحسابات ليست بأية حال صك إدانة، في الدول التي تحتكم إلى القانون، لكنها أيضا ليست صكا للبراءة، ربما الخلط قادم عندنا من لفظة “الحساب” الذي يقترن في أذهاننا بالعقاب، وعند الفورة يبان الحساب! لذلك لن نرتاح حتى يدخل كل المتهمين أو بعضهم على الأقل إلى السجن، فعند فورة تقرير المجلس الأعلى يبان الحساب، ليس مثل التعبير الفرنسي “les comptes” المرتبط بالجانب المالي التدبيري لا العقابي الجنائي..
لكن ما كشفه التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات، حول دعم “التيكتانك” الحزبي من فلوس الشعب، حقيقة مخجل ويعكس تدني البعد الأخلاقي في السياسة، فعبر تدقيق حسابات الأحزاب السياسية وفحص صحة نفقاتها برسم الدعم العمومي لسنة 2022، تبين أن هناك سلسلة اختلالات عميقة ترتبط بدعم سنوي إضافي بملايين الدراهم تلقتها هذه الأحزاب لإنجاز الدراسات والأبحاث، حول أوجه صرفها أو في عدم وجود هذه الدراسات أصلا، والتعلل بأنها أبحاث داخلية، وهو ما لا يستقيم إذ أن ما هو مدعم بالمال العام يجب أن يكشف للعموم وليس فيه وجه للخصوصية أو السرية أو اعتباره شأنا داخليا.. صحيح نحن في بداية الطريق، والأحزاب نفسها التي تطالب الدولة بالديمقراطية هي نفسها في أول طريق الاختبار الديمقراطي، لكن تحولها إلى مجال للهميزات وتوسيع المنافع القادمة من ضرائب الشعب على الحواريين والأتباع المناصرين للقيادة الحزبية، يشكل مسمارا آخر في نعش هذه الأحزاب التي فقد الكثير من بريقها ومن نبل قياداتها..
مرحبا أن تكون للأحزاب السياسية مراكز خبرة واستشارة ومكاتب أبحاث ودراسات متخصصة، وجميل جدا أن تدعم الدولة من أموال دافعي الضرائب، مجموعة أبحاث تنجزها المراكز الحزبية أو المعاهد المتخصصة من أموالنا ولفائدة الأحزاب السياسية وللمجتمع بأكمله، أن تفتح الأحزاب الباب للنخب الوطنية والخبراء والمثقفين لتعزيز صفوفها، والاستفادة من خبراتهم وأبحاثهم فيما يعود بالنفعة على الحزب وعلى الأمة… لا ضير في ذلك، لكن ما يضر حقا هو التلاعب وغياب الشفافية والنزاهة في طرق التصرف في هذا الدعم، وشكل صرف هذه الأموال ينمي المحسوبية والزبونية ولهف المال العام بدون وجه حق، وشراء الزبناء الحزبين من القيادة والأتباع، بدل تعزيز الممارسة الديمقراطية والشفافية والنزاهة.. وشكل رد الأحزاب المعنية بهذه الاختلالات على ملاحظات قضاة المجلس الأعلى للحسابات يبدو ضعيفا وفيه الكثير من الالتباسات والالتواءات حتى.. بما فيها تلك التي تعهدت برد مبالغ الدعم العمومي للدولة، بعد أن أكدت إنجازها الأبحاث والدراسات وصرف المبالغ المالية التي تلقتها. وعند الفورة بان الحساب..







