الصحافة مهنة المتاعب، وكثير من الزملاء يستحقون التحية لأنهم يواصلون تعريض حياتهم للخطر من أجل تقديم المعلومة إلى الرأي العام. ليس بالضرورة في مناطق النزاعات والحروب، مثل غزة وأوكرانيا، بل أحيانًا من داخل الأستوديو، في الرباط والدار البيضاء وما جاورهما.
إذا كانت الاستوديوهات آمنة فإن الضيوف ليسوا دائما مُؤْتَمَنين، خصوصا عندما يكونون قد خرجوا للتوّ من السجن أو لديهم رغبة جامحة في الذهاب إليه، ذلك ما يجعل بعض “الحوارات الصحافية”، التي ظهرت في السنوات الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، لا تقلّ خطورة عن تغطية القصف الإسرائيلي على غزة أو المعارك الطاحنة بين قوات بوتين وجيش زيلينسكي في أوديسا.
الميزة الأساسية لمثل هذه البرامج، بالإضافة إلى ضيوفها الخطيرين، هي صعوبة التفريق بين ألوان الديكور الفاقعة والماكياج الذي على وجه المذيعة وضيوفها الكرام، ناهيك على كونها تمسك بالميكرفون كما تمسكه أي مغنية شعبية في الكاباري!
بالصدفة شاهدت مقابلة من هذا النوع تسأل فيها “الزميلة” شخصا يجلس أمامها “سؤال بسيطا”: هل مازلت تتاجر في المخدرات؟ الضيف شرع في الجواب، قبل أن يتوقف فجأة كأنه تذكر شيئا ما، ثم اقترب من المذيعة و”شنق” عليها: “باغية تلصقي لي مونتيف، باغية تلصقي لي مونتيف!” ولو لم يتدخل التقنيون والمصورون، لارتكب في حقها جريمة تعيده إلى الزنزانة، التي يبدو أنه اشتاق إليها، رغم أنه غادرها من مدة قصيرة فقط.
ألم أقل لكم إنها مهنة المتاعب؟ مرة يضربك المحاوَر، مرة يبصق عليك، مرة يشتم صحون عائلتك… علما أن الضيف غير الكريم، الذي “شنق” على الزميلة غير المحترمة، كان يتعاطى القرقوبي “وعفا عليه الله”، كما قالت المذيعة نفسها في بداية الحوار، قبل أن تنعته بـ”الحشايشي” و”الكلب” ردا على “الشنقة” التي حولت الماكياج الفاقع إلى بقع ملونة تشبه بغريرات صغيرة على الخدود المتوردة والجبهة العريضة…
لقد تغيرت الصحافة المغربية كثيرا. منذ أن أصبح لها مجلس ينظمها وميكروفونات بكل ألوان الطيف ومئات المواقع وآلاف القنوات التي تتهافت على “الأدسنس”…المنابر كلها تتسابق على استضافة الاشخاص الذين يحققون نسبة مشاهدة عالية، ولا يهم إن كانوا خارجين من السجن أو مشاريع سجناء أو حمقى يحتاجون لمن يأخذهم إلى المستشفى. حتى وسائل الإعلام التقليدية ركبت الموجة، بدل أن تقاومها ريثما تتكسر على الشاطئ. كل المنابر تفتش عن “البوز”.
سقى الله تلك الأيام التي كان فيها “البوز” الوحيد المعروف بين الصحافيين هو الصديق العزيز أحمد البوز، رئيس تحرير المرحومة “الصحيفة”!
شرّ البلية ما يضحك. تهرب من وسائل التواصل الاجتماعي، ومن “خوتشي خواتشاتشي المغاربة السلام عليكم”، وتحاول أن تقرأ الصحافة “الرصينة”، وأول خبر يطالعك يتعلق بمواطنة كازاوية قررت أن تقاضي عمدة الدار البيضاء، لأنها تعرضت لهجوم خطير من قطيع كلاب متشردة، بينما كانت ذاهبة الى عملها في ليساسفة، مما اضطرها الى تغيير الاتجاه والذهاب إلى المستعجلات. تنجو من كلاب “يوتوب” وتنبح عليك كلاب ليساسفة!
السيدة حاولت الهرب فَالْتَوَتْ قدمها، ومع ذلك واصلت الركض هروبا من المجحومين، مما جعلها تصاب أيضا في ركبتيها ويدها اليمنى، وتطالب نبيلة الرميلي بتعويض قدره عشرة ملايين سنتيم، معتمدة على تسجيلات كاميرا المراقبة، التي وثقت الاعتداء المريع. القانون التنظيمي للجماعات المحلية يضع “الوقاية الصحية والنظافة وسلامة المرور” في صميم اختصاصات الجماعات الترابية. علما أن مدينة الدار البيضاء فوضت هذه الاختصاصات لشركة “الدار البيضاء للبيئة”، التي تتقاضى سنويا مبلغ 20 مليون درهم، مقابل تدبير هذه الخدمات. مع ذلك ما زال عدد الكلاب المتشردة من شوارع الدار البيضاء يفوق عدد المتسولين و”الشماكرية”!
بعض الجماعات تلجأ إلى الحل السهل، الإبادة عن طريق الرصاص أو السم، دون أن يرف لها جفن. لحسن الحظ أن هناك جمعيات تهتم بالبيئة والرفق بالحيوان باتت تتصدى لمثل هاته الممارسات الهمجية.
ولو أخذ كل مواطن كلبا مشردا من الشارع لانتهت الظاهرة. لكن كثيرا من المغاربة لا يحبون إدخال الكلاب إلى بيوتهم، بل إن بعضهم يعتبر نفسه في حاجة لمن يعتني به هو أولا، وأن لا فرق بينه وبين المجحوم!
ليس أخطر من الكلاب المتشردة إلا الخنازير الضالة. كثير من المواطنين جربوا بطشها، مثل سكان ايمنتانوت بإقليم شيشاوة ودوار تونمان في جماعة سيدي احمد وموسى في تيزنيت وسكان جماعة تكموت في إقليم طاطا… حيث خلّف “الحلوف” عددا من الضحايا في الشهور الأخيرة خلال غارات مباغتة على المواطنين. لكن بخلاف الكلاب، لا يعوّل السكان على خدمات الجماعة والشركات المتعاقدة معها لوضع حد لاعتداءات الخنازير، بل يقومون بشرع ايديهم: يمسكون الحيوان المعتدي ويذبحونه ثم يحولون لحمه الى “قطبان”، ويعرضون على الجيران. في بعض المناطق النائية، ليست الخنازير وحدها الضالّة، بل السكان أيضا. رغم أن الإسلام يحرّمه بنص قطعي، فإن بعضهم لا يتردد في أكل “الحلوف”، بسبب الجهل وغلاء اللحوم، وحين ينبههم أحدٌ إلى أنه حرام، يردّون بأن قطعة لحم واحدة فيه هي الحرام، يكفي أن تعرفها وترميها، ما تبقى حلال… هكذا يزدردون الشواء بضمير مرتاح. وأعتقد أن هؤلاء أنفسهم من قيل لهم ذات يوم: “نتوما ماكتعرفوش الله”، فردوا باستنكار: “احنا ما كنعرفوش الله صلّى الله عليه وسلم”؟!







