في الذكرى الأربعينية لرحيل محمد بنسعيد آيت يدر اخترنا في “نيشان” أن نقدم مقتطفات هامة من مذكراته التي صدرت عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان “هكذا تكلم محمد بنسعيد” والذي القيادي اليساري والكاتب عبد الرحمان زكري، باعتبار الأحداث الهامة التي عايشها الراحل بنسعيد الذي عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته،لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، حتى تأسيسه لمنظمة 23 مارس وبعدها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وصولا إلى الحزب الاشتراكي الموحد.. في مذكرات نصادف أحداثا ووقائع مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر باستعادتها ومحاولة تجديد قراءتها فهم لواقعنا السياسي ولمسار أمة تطمح لحقها في الكرامة والتقدم والتنمية.
الحلقة 3:
تكلفتُ بمهمة إخراج الفقيه البصري وحسن صفي الدين وسعيد بونعيلات من المغرب
ومن جملة المحاولات التي قمنا بها لتوحيد الجيش تحت قيادة مركزية وأهداف
واضحة، لقاء دعا إليه علال الفاسي بمدريد يجمع بين قيادات المقاومة وجيش
التحرير وبعض ممثلي حزب الاستقلال. وقد تكلفتُ بمهمة إخراج الفقيه البصري
وحسن صفي الدين وسعيد بونعيلات من الدار البيضاء بما في ذلك تهيئ جوازات
سفر خاصة وتعيين الطائرة التي سيغادرون على متنها إلى مدريد…
كان اللقاء في العاصمة الاسبانية بدار الكبير الفاسي، بحضور المهدي بن بركة وعلال الفاسي والدكتور الخطيب والحسين برادة وعباس لمسعدي وآخرين من بينهم كاتب هذه السطور. كان المقصود من الاجتماع تقييم الأوضاع السياسية والعسكرية واستشراف الآفاق المستقبلية المطروحة أمام المغرب، مع التنسيق بين قيادة حزب الاستقلال وجيش التحرير.
كانت الخريطة السياسية قد طرأت عليها عدة تغييرات بعد عودة الملك؛ فإلى جانب
ما يمثله هو من وزن على الساحة، برزت طموحات عدد من السياسيين وبعض قياديي
الجيش، لذلك كان طبيعيا أن يسعى المسعدي في لقاء مدريد إلى عرقلة أي تفاهم ممكن بين حزب الاستقلال وقيادة المقاومة وجيش التحرير، وأول شيء فعله هو أنه طلب من المهدي بن بركة والكبير الفاسي أن يتركا قاعة الاجتماع، بدعوى أنهما لا ينتميان إلى المقاومة، متناسيا أن الكبير الفاسي كان همزة الوصل بين المقاومة المغربية المسلحة والزعماء السياسيين بالخارج، وهو من أخذ بيد المسعدي نفسه وفتح له سبيل الاتصال بمصر، بعدما كان مجرد مقاوم عادي. وبتدخل من علال الفاسي انسحب المهدي والكبير حتى لا ينفجر اللقاء.
تمخض الاجتماع عن مجموعة من الاتفاقات صادقنا عليها بالإجماع، منها عدم
تجريد جيش التحرير من سلاحه، مع جعله النواة الأولى للجيش الوطني في وقت لم
يكن فيه الجيش الملكي قد رأى النور بعد، ومحاكمة الخونة الذين تعاملوا مع سلطات الاحتلال، واستمرار الكفاح المسلح حتى جلاء آخر مستعمر عن الأراضي المغربية، بيد أن كل هذه الاتفاقات ظلت مجرد حبر على ورق.
في سياق هذه الترتيبات، تفاجأنا بكون عبد القادر بوزار اتصل بوزير الداخلية لحسن اليوسي، واتفق معه على تسليمه سلاح جيش التحرير، لم تكن هذه الحركة منتظرة، وعلى الفور كُلّف الدكتور الخطيب بعزل بوزار باعتبار أنه هو من نصبه على رأس إحدى الفصائل.. كان الاتفاق قائما على تبليغ الملك بضرورة استمرار جيش التحرير على أساس أن الجيش الفرنسي لم يخرج بعد من البلاد، والسلطات الفرنسية لم تقدم ما يكفي من ضمانات يمكن الوثوق بها، لكن ما وقع أن الدكتور الخطيب لم يوقف بوزار، بل جاء بفصيل من الجيش وقدم البيعة لمحمد بن يوسف بدون علم من رفاقه في القيادة.
بعد اغتيال عباس المسعدي سيتم استدعاء الدكتور الخطيب وتكليفه بحل جيش التحرير، وهو بالفعل ممن قام بهذه المهمة بمعية ولي العهد آنذاك. في المقابل، بادرنا على إثر فشل لقاء مدريد، إلى عقد لقاءات بين قيادات المقاومة والجيش بكل من الدار البيضاء والخميسات تمخض عنها إنشاء ثلاث لجن مهمتها مراقبة مواقع الجيش وإحصاء عدد أفراده والإشراف العام على سيره عبر لجنة ترأسها بوشعيب الحريزي، وأخرى ترأسها شخص يدعى بن حمدون، ولجنة ثالثة كنت أنا على رأسها.







