لحسن الحظ أن بعض الحروب لا تقتل… إلا بالضحك، ومنها تلك التي اندلعت مؤخرا بين ناشطين مغاربة على وسائل التواصل الاجتماعي وبين دار الازياء العالمية “بالنسياغا”. سبب المواجهة في حدّ ذاته يجعلك تبذل جهدا كبيرا كي لا تضحك: “البلغة”… أجل “البلغة” التي ينتعلها ملايين المغاربة صيفا وشتاء، في الأفراح والأتراح، في المناسبات الوطنية والأعياد الدينية، وترمز للمغربي مع الجلابة والسلهام والزليج والطجين والطربوش والبراد… هي سبب الحرب!
القصة وما فيها أن دار الازياء الراقية، التي يملكها فرانسوا پينو، أحد أكبر الأثرياء في فرنسا، “زغبها الله” وعرضت ضمن تصاميمها الجديدة، حذاء يحاكي النعل المغربي العريق، دون أن تشير إلى أصله. وعندما اكتشف بعض المغاربة أن “البلغة” أكملت دراستها وحصلت على جنسية أخرى، توعدوا ونددوا وهددوا، واعتبروا أنها انحرفت وخرجت عن الطريق المستقيم، ثم صبّوا جام غضبهم على دار “بالنسياغا”، معتبرين ما أقدمت عليه قرصنة وسطوا وسرقة في واضحة النهار، صارخين في هاشتاغ واحد: #ماتقيش_بلغتي!
هكذا اندلعت معركة خاطفة، انتهت باختفاء “البلغة” في صيغتها العالمية، حيث استسلمت الدار وسحبتها من “الكوليكسيون” الجديدة، ساعات بعد احتدام القصف على المواقع الافتراضية!
وقد كان بودنا أن نهنئ “جيشنا الباسل” بانتصاره الساحق على “امبراطورية پينو”، لولا أننا نعرف بأن معظم أفراده يلبسون قطعا مزيفة من الماركات العالمية، ومن بينها “بالنسياغا” نفسها، و”ديور” و”شانيل” و”لوي فيتون” و”إيف سان لوران”… التي يتغير أحيانًا ترتيب حروفها على نحو ساخر. “پياسات مدَرَّحة”، يشترونها من السويقة بثمن بخس، دون علم المصمم، ودون أن يرفّ لهم جفن. ولا أعرف كيف نسمح لأنفسنا بأن نقرصن الماركات العالمية، في النهار القهار، ونغضب عندما تقدم إحدى هذه الماركات على عمل مشابه؟ كان بإمكان الدار المتَّهَمة، بدل رفع الراية البيضاء، أن تردّ على هاشتاغ #ماتقيش_بلغتي، بهاشتاغ #حرام_علينا_حلال_عليكم…
دار “بالنسياغا”، التي أسسها المصمم الإسباني كريستوبال بالنسياغا في سان سيباستيان عام 1919، واشتراها رجل الأعمال الفرنسي فرانسوا پينو عام 2001، ليضيفها الى دارَيْ “غوتشي” و”إيف سان لوران”، ضمن مجموعة “كورينغ”، معروفة باستلهام موديلاتها من عدد من التصاميم التقليدية في مختلف أنحاء العالم، دون الإشارة إلى الأصل، مما يثير جدلا مستمرا، تستفيد منه كي توسع قاعدة زبائنها عبر العالم، إنها استراتيجية للبيع، ولا يُستبعد أن تعود “بلغة بالنسياغا” إلى الواجهة في الأيام المقبلة، بعد أن تهدأ الجبهة تماما، مستفيدة من الحملة الدعائية المجانية التي أمّنها هذا الجدل الواسع!
بعيدا عن الماركوتينغ والحملات الدعائية المقنّعة، هناك فرق بين الاستلهام والاستيلاء الثقافي. كان يكفي أن تشير الدار الى الأصل المغربي للموديل في تقديمها للمنتوج، كي نتحدث عن استلهام مبرر، لكنها اكتفت بالإشارة الى مكونات النعل وتقديم معلومات عن جلده وتصميمه دون أي اشارة إلى الأصل، مما يجعلنا فعلا امام عملية استيلاء ثقافي، تذكرنا بالعقلية الاستعمارية التي كانت تسطو على التحف الفنية وقطع الآثار والموروث الثقافي للمستعمرات بأبشع الطرق!
رغم ذلك، هناك بعض النقاط الايجابية في العملية، تتعلق برفع أسهم “البلغة” في السوق ووضعها في قلب الموضة العالمية، خصوصا أن سعر النعل المعروض يساوى 995 دولار، أي ما يعادل مليون سنتيم. بصيغة أخرى، “بلغة” واحدة لدى “بالنسياغا” تساوي مائة بلغة في السويقة… مما يمنح للصانع التقليدي المغربي كل المبررات كي يرفع ثمن سلعته، بل يعطيه كامل الحق، إذا جادله سائح في السعر، أن يصفعه على خده بفردة مقاسها 46!







