“إن الواقعية التي لا ترى ما هو أبعد من الأنف أشد خطرا من الخيال الجامع المجنون، لأنها عمياء” دوستويفسكي
في لحظة أصبحت فيها وعود السياسيين مثل التنبؤات الجوية التي لا يمكن الوثوق بها ثقة بالغة.. في زمن زحف فيه على رأس التنظيمات الحزبية الأصيلة أنصاف الزعماء والتكنوقراط وأصحاب المال والمصالح الضيقة والأنانيات الضحلة تكوينا وطموحا وأفقا.. في زمن تكاثفت فيه الرداءة في مشهدنا السياسي، حتى تحولت إلى قوة كاسحة، نعلم أن فقد زعيم من طينة بنسعيد آيت يدر يعتبر خسارة كبرى للمغرب. لقد رسم بتضحياته كاريزما البطولة التي وشم بها تاريخ المغرب المعاصر بمداد من فخر.. ووفّى دينه للوطن بالتقسيط المريح.
كان ثوريا في جُبّة مصلح ومصلحا في جلباب ثوري، لكنه فهم أن السياسة لها أدواتها، وأن الديمقراطية تُنحت بصبر العشاق الذين يثقون في الدرب وفي الحلم.
إن أردت تلخيص سيرة رجل فذ من حجم الراحل بنسعيد آيت يدر، فلن أجد أقوى من مثلث أضلاعه: الصدق، التضحية والوفاء.. لقد اختزل الراحل في ذاته، روح الوطني، وصلابة السياسي، وصدق الإنسان الذي ما فرط في قناعاته برغم كل ما عبره، ظل وفيا لما عاهد عليه رفاق دربه، وللمواطنين الذين اختاروه أكثر من مرة نائبا على دائرتهم، وللرفاق الذين أعلوه قائدا وزعيما لتنظيمهم السياسي.
بين الخطو والخطو كان بنسعيد يعتذر للأرض التي حبَلت به وحلم بها، إن لم يجلب لها سماء تظلها، بين خيانة وأخرى، كان يتألم لتبدلات الزمن وأهله ومع ذلك ظل يحلم بمغرب نستحقه ويستحقنا، بين معركة وأخرى في زمن المقاومة كما في سنوات الرصاص، كان الراحل ينحني قليلا لتمر رصاصة أخطأته قيد أنملة، ليواصل طريق النضال بنفس جديد وطموح أكبر.
محمد بن سعيد آيت يدر شخصية استثنائية، عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وافته المنية، ورحل وفي قلبه شيء من حتى الديمقراطية التي حلم بها وقدم الغالي والنفيس في سبيلها.. لقد ظل مقاوما لكل أشكال الاحتلال والاستبداد والتخاذل، حيث لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، صادق في درب حياته رموزا وطنية كبرى من طينة علال الفاسي، المهدي بن بركة، الفقيه البصري، عبد الله ابراهيم، عبد الرحمان اليوسفي، عبد الرحيم بوعبيد، محمد بوستة، علي يعتة.. وباقي يراعات اليسار الجديد.
وبرغم أصول عائلة الثرية، انحاز محمد بن سعيد للفقراء والمهضومة حقوقهم، لم يهن يوما ولم يخن، لأنه ملأ السياسة بالكثير من الحب.. انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، وهب حياته لمقاومة سلب حرية وسيادة أمة، تنكر في أكثر من ثوب، واستعار أكثر من اسم ليتخفى عن أعين الأجهزة، ويواصل تأدية مهامه النضالية التي ندر نفسه لها، حتى تحويله منظمة 23 مارس إلى منظمة العمل الديمقراطي الشعبي في بداية الثمانينيات، وما تلاهى من تنظيمات ظل يحس دوما أنها أصغر مما حلم به..
وبرغم أنه كبر ضمن السقوف المنخفضة والجدران الضيقة، فإنه لم يتعلم ذل الانحناء إلا حين يكون فضيلة للاحترام، ظل ثوبه نظيفا طوال مسار نضاله السياسي البطولي، تميز خطابه بالصدق وبدون لغة خشب، ولا لفّ ولا دوران أو رقابة ذاتية، كما لا أثر لتمجيد الذات حد الأسطرة، لقد تعلم حكمة شوبنهاور أن ما يعيش طويلا ينمو ببطء، ولربما كان محمد بنسعيد وحزبه الفتي، ضحية اختبار الديمقراطية في المشهد الحزبي في المغرب، آمن رفقة الخلص من رفاق الدرب، أن الوحدة تمرين صعب، لكنه ضروري لإشاعة القليل من الدفء في المشهد السياسي والثقة في نفوس أجيال عديدة.. وفي الوقت الذي كان زعماء آخرون يبنون الجدران بينهم وبين المجتمع، وبينهم وبين قواعدهم الحزبية، كان بنسعيد آيت يدر يبني الجسور بين أجيال عديدة، من المقاومة وجيل الوطنيين إلى جيل اليسار السبعيني حتى جيل حركة 20 فبراير..
لذلك ظل يخلق الدهشة في السياسة كما حين تجرأ ليطرح لأول مرة قضية تازممارت في البرلمان، حيث فجر أكبر دُمّل من القيح والصديد في بلد يتطلع إلى الديمقراطية التي يستحقها.. لقد كان مثل خطاف بمفرده يبشر بالربيع. لأنه آمن أن المستحيل المقنع خير من الممكن الذي لا يقنع وأن نهاية مفجعة خير من فجيعة بلا نهاية.







