هذا الملف كان بمثابة هدية انتخابية تلقاها حزب العدالة والتنمية، وأحسن توظيفها من اجل تعزيز طرحه الذي حاول تسويقه للرأي العام على انه حزب يتعرض لمؤامرة محبوكة دفعت أمينه العام إلى المطالبة بمحاكمة أسماء وزانة في وقفات احتجاجية في الشارع العام.
خيوط هذا الملف الذي خلق الحدث سنة 2011 وكاد أن ينتهي بزج أهم المقاولين والأسماء السياسية بالمدينة في سجن الزاكي بسلا، انطلق مع استدعاء الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لجامع المعتصم عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية ونائب عمدة المدينة حينها ، حيث خضع لجلسات تحقيق مطولة انتهت به في إحدى الزنازن بناء على قرار من قاضي التحقيق، ليلتحق به 18 معتقلا آخر من بينهم ثلاثة مهندسي دولة ومستشارون ومقاولون ومنعشون عقاريون، ورئيس مقاطعة وخمسة موظفين، وضع ثلاثة منهم تحت المراقبة القضائية ووجهت لهم تهم استغلال النفوذ وتبذير أموال عمومية وتزوير وثائق والإرشاء والارتشاء والمشاركة في مخالفة ضوابط البناء.
القضية لم تقف عند هذا الحد بل إن العمدة السابق لسلا نور الدين الأزرق حل بدوره ضيفا على الفرقة الوطنية التي استمعت له في جلسات مطولة انصبت فيها أسئلة المحققين حول تسليم تراخيص بناء بطرق لا تخضع لمقتضيات القانون، إضافة إلى إقامة مجمعات سكنية يعتقد أنه لم تخضع بدورها لإجراءات التراخيص المعتادة، و خروقات سبق أن كانت موضوع تنبيهات من وزارة الداخلية، حيث قدم الأزرق إفادته في جلسات دامت لأزيد من 15 ساعة في إطار جلسات متفرقة، وكانت جميع المؤشرات تسير في اتجاه أن يجد الأزرق نفسه ضيفا على سجن الزاكي أو على الأقل متابعته في حالة سراح تمهيدا لرفع الحصانة البرلمانية عنه، خاصة بعد أن حاول حزب التجمع الوطني للأحرار الذي ينتمي إليه إبقاء نفسه بعيدا عن رحى المواجهة الساخنة التي فضل حزب العدالة والتنمية خوضها مع حزب الأصالة والمعاصرة على خلفية هذا الملف ،وذلك رغم المساعي التي بدلها الازرق من اجل إقناع قيادي الأحرار بإبقائه بعيدا عن مشنقة الاعتقال التي طوقت أعناق عددا من المستشارين.
هذا الملف تحول إلى قضية رأي عام خاصة بعد الخرجات المثيرة التي قام بها الأمين العام لحزب العدالة والتنمية والتي اعتبر فيها أن ما يحدث هو استهداف للحزب، متهما الياس العماري بالوقوف وراء هذه القضية، قائلا أن هذا الأخير “عمل على تنفيذ مخططه الانتقامي بسلا بعدما انهزم أمام نزاهة المعتصم”، ولم يكتف بنكيران بذلك بل صعد من لهجته واعتبر أن المغرب مهدد بالخطر “جراء معاقبة الصالحين والشرفاء بهذا البلد ومجازاة المفسدين والفاسدين، ” ودعا إلى توخي الحذر حتى لا يتكرر نموذج تونس بالمغرب وقال أن دور الحزب هو “أن يؤدي أبناؤه ثمن المواطنة” إلى أن “يسقط الصنم الذي يريد أن يتحكم في كل شيء”.
مع توالي الساعات كان الترقب يسود في مدينة سلا خاصة في ظل الحديث عن وجود لائحة من الأسماء التي قد ينتهي بها المطاف إما لدى مكتب قاضي التحقيق الشنتوف، أو بسجن الزاكي بعد أن ارتفع عدد الأشخاص الذين تم الاستماع إليهم إلى 22 شخصا، وتم تقديم الملف على انه يتعلق بجرائم فساد خطيرة نجح من خلاها المتهمون في جني أرباح بالملايين، والاستفادة من شقق ومبالغ مالية مقابل التغاضي عن خروقات معمارية، قبل أن تحدث المفاجأة التي فضحت أن الملف كان عبارة عن فقاعة صابون انتفخت كثيرا إلى أن انفجرت.
حدث ذلك بعد أن فتحت البوابة الحديدية لسجن الزاكي وغادرها المتهمون، ولم يتوقف الآمر عند هذا الحد بل إن المتهم الرئيس في هذا الملف جامع المعتصم سيجد نفسه ثلاثة أيام بعد ذلك بالقصر الملكي حيث تم تعيينه عضوا بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي، الأمر الذي جعل العديد من الأسئلة تتناسل حول طبيعة ما حدث، وحول التحقيقات التي قامت بها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، وكذا صحة الاتهامات التي وزعها بنكيران حتى بعد الإفراج عن المعتصم.
تساؤلات طويت لكن لم يغلق معها ملف التحقيق لدى الشنتوف، بعد أن وضع عليه تأشيرة التجميد إلى إشعار غير معلوم، خاصة بعد أن أفرزت نتائج الانتخابات التشريعية نتائج كاسحة لحزب المصباح جعلت أمينه العام يعدل لهجته، ويجامل من كان يتهمهم حتى وقت قريب باستغلال علاقتهم بالقصر لتصفية الحسابات، وجر المغرب إلى الهاوية، وفبركة الملف الذي جعل جامع المعتصم يدخل السجن…
الملف لم يغلق إلى الآن ولا زال بيد قاضي التحقيق بشكل يكشف كيف يمكن للقضاء أن يتحول إلى أداة في أياد خفية، أياد تملك مقصا يمكن من قطع شريط المتابعة، وإبرة قادرة على حياكة الملفات بعناية.







