محاكمة الوزراء الحلقة الثالثة
الاعتقالات والمحاكمة التي تلتها في ملف الوزراء، دفعت بعض صحف المعارضة إلى المطالبة بتفعيل قانون “من أين لك هذا” الذي قدم مشروعه إلى الحكومة سنة 1960، والذي يعاني من صعوبة في التطبيق بالمغرب إلى حد الآن، رغم إقرار قانون التصريح بالممتلكات عقودا بعد هذه المحاكمة، التي لم تكن سوى فرصة أذن خفيفة لبعض المسؤولين، وهو ما سمح لفيروس الفساد بالانتشار بعد ذلك اثر مرحلة كمون مؤقتة، والغريب أن بعض المؤسسات التي أدرج مسؤولوها في لائحة المتابعين تعرضت سنوات طويلة بعد ذلك، لنزيف مالي مماثل تطلب من الدولة التدخل من اجل إنقاذها من الإفلاس، فيما آل التحقيق في عدد من الخروقات التي تجاوزت قيمتها الملايير إلى الثلاجة، ربما تفاديا لتكرار سيناريو محاكمة الوزراء التي كشفت المستور، وفضحت حجم الفساد المستشري في دواليب الوزارات والمؤسسات العمومية.
والغريب أيضا أن بعض المسؤولين ممن عايشوا فترة المحاكمة قدموا قراءة خاصة لهذه الواقعة مثل عبد الهادي بوطالب الذي أشار في حوار صحفي مع جريدة الشرق الأوسط إلى أن محاكمة الوزراء التي شهدتها سنة 1971 ربما “كان ورائها من سعوا للانقضاض على النظام في الصخيرات ولم ينكشف تورطهم في هذه العملية مثل اوفقير”، وذلك لإيجاد مبرر لعملهم الإجرامي، وأضاف بوطالب “أن هؤلاء كانوا يروجون قبل المحاولة الانقلابية بالصخيرات أن المغرب يجب أن يسود فيه حكم نظيف ويتم القضاء على المحسوبية، وتشدد المراقبة على مرافق الحكم حتى يكون أدائها سليما وغير مشبوه”، وأن الحسن الثاني “تناهي إلى علمه ما كان يروج في الشارع والاتهامات التي كانت توجه لبعض المسؤولين خاصة ممن يتحملون وزارات اقتصادية”.
بوطالب قدم قراءة مغايرة لما تم تسربيه إبان المحاكمة من معلومات، وما تضمنته الملفات القضائية التي أكدت وجود عدد من التلاعبات، وهو ما تعزز أيضا بإفادة بعض المتهمين، وكذا فرار بعضهم هربا من العدالة، وصور بوطالب الوزراء وكأنهم ضحايا لحملة تطهيرية مشابهة لتلك التي قام بها إدريس البصري في التسعينيات، وقال بوطالب أن الحسن الثاني بعد انتهاء المحاكمة وسجن المتابعين عاد ووضعهم في فيلا، وأكرمهم في إطار عرف جرت به العادة مع سجناء القصر الذين يعرفون في تاريخ المخزن باسم مسجوني السلطان، وأشار بوطالب إلى أن الملك عاملهم معاملة طبية ومحترمة وأطلق سراحهم فيما بعد.
بعض المصادر تؤكد انه بعد اعتقال عمر بن مسعود على خلفية فضيحة شركة “بانام ” الأمريكية ضغط عليه المحققون من أجل الوصول إلى باقي المتورطين في ملفات الفساد، وأن الإسهال الذي أصيب به لسان بن مسعود جعله يسرد لائحة أسماء طويلة من العيار الثقيل وهي ذات الأسماء التي ارتابت، وحركت الهواتف بمجرد أن تناهي إلى علمها خبر اعتقاله، قبل أن تفضل دفن رأسها في الرمل في انتظار مرور العاصمة ليصبح هاجس المحققين هو كيفية إقناع بن مسعود بالتوقف عن فضح المزيد من الأسماء
. وما يعزز هده الرواية هو الحديث القوي الذي راج عن وجود تواطؤات سهلت إفلات عدد من الأسماء من العقاب عن طريق مغادرة المغرب، في الوقت الذي تحركت فيه الهواتف ونشطت الاتصالات من أجل وقف هدا الطوفان الذي كان سيجرف معه شبكة كبيرة من الفساد موزعة بين عدد من المؤسسات و الأجهزة التابعة للدولة، وهي الشبكة التي تمكنت من نسج علاقات متداخلة تم توظيفها لحماية هرم الفساد من الانهيار وتقويته، ما جعل المغرب يعاني لحد الآن من فيروس نهب المال العام.
محاكمة الوزراء سابقة يتيمة مر عليها أزيد من 39 سنة، وكانت فرصة تاريخية ليقطع المغرب مع عهد الاختلاسات ونهب المال العام الذي فوت على البلاد سنين طويلة من التنمية، وحكم عليها بالبقاء رهينة لعقليات تعتبر أن الوصول إلى المسؤولية يعني الحصول على تفويض باستغلال القانون أو الإثراء من أموال الشعب إطار استمرار سياسة الإفلات من العقاب، والدليل على ذلك هو ملفات المؤسسات العمومية التي تحولت إلى “وزيعة” بين بعض المسؤولين عنها، وعدد من الأسماء المنتمية للطبقة المخملية دون أن تجد هده الملفات طريقها إلى القضاء بعد أن تم تعويمها في إطار لجن تقصي حقائق، وهي الحقائق التي ظلت غائبة و غابت معها الملايير من أموال المغاربة.
يذكر أن محكمة العدل الخاصة كانت محط انتقادات متعددة أجمعت على أن وجودها غير ديمقراطي، ويكرس عدم المساواة بين المواطنين في ظل وجود قضاء استثنائي، تتم فيه المتابعة بناءا على أمر من وزير العدل في تعارض تام مع مبادئ دولة الحق والقانون.
ألغيت هذه المحاكم سنة2004 بعد أن كان الهدف المعلن من وراء إحداثها محاكمة الموظفين و المسؤولين لكن السبب الحقيقي وراء خلق هده المحكمة يتمثل في الحفاظ على أسرار الدولة وضمان نوع من الامتياز في مراقبة سير بعض الملفات والتحكم فيها، خاصة تلك التي تتداخل فيها السياسة بالمال، وبالتالي كانت الدولة من خلال جهاز محكمة العدل الخاصة تملك الصلاحية المطلقة في تدبير هده الملفات إما بتقرير المتابعة أو تعويمها أو التخلي عنها حسب حالة الطقس السياسي والمصلحة.







