في الذكرى الأربعينية لرحيل محمد بنسعيد آيت يدر اخترنا في “نيشان” أن نقدم مقتطفات هامة من مذكراته التي صدرت عن مركز محمد بنسعيد آيت يدر للأبحاث والدراسات تحت عنوان “هكذا تكلم محمد بنسعيد” والذي القيادي اليساري والكاتب عبد الرحمان زكري، باعتبار الأحداث الهامة التي عايشها الراحل بنسعيد الذي عاشر ثلاثة ملوك، وكان في قلب الأحداث اللاهبة منذ الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته،لعب دورا أساسيا في خلايا المقاومة وجيش التحرير، انخرط في حزب الاستقلال باكرا، وكان من أقطاب حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، حكم عليه بالإعدام غيابيا وتعرض لأكثر من محاولة تصفية واغتيال، حتى تأسيسه لمنظمة 23 مارس وبعدها منظمة العمل الديمقراطي الشعبي وصولا إلى الحزب الاشتراكي الموحد.. في مذكرات نصادف أحداثا ووقائع مفصلية في تاريخ المغرب المعاصر باستعادتها ومحاولة تجديد قراءتها فهم لواقعنا السياسي ولمسار أمة تطمح لحقها في الكرامة والتقدم والتنمية.
الحلقة السابعة عشرة
حين اتصل بي حرزني بباريس وعرض علينا المشاركة في تشكيل منظمة” 23 مارس”
من ثمار الحرية التي كنا ننعم بها في فرنسا أننا مارسنا العمل السياسي وفق الرؤى السياسية التي كنا نحملها. لم يضيق علينا أحد ولا حاسبنا على أفكارنا. ومادامت العلاقة قد انفرطت مع الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إثر اللقاء الساخن مع قيادتها والفقيه البصري، فقد كان صف اليسار الجذري هو الموقع الذي يناسبنا أكثر. كانت البداية من مجلة “أنفاس” التي وقف وراءها عبد اللطيف اللعبي. أصدرنا العدد الأول باللغتين الفرنسية والعربية. لكننا لم نستمر بسبب الخلاف مع الرفاق في منظمة “إلى الأمام ” حول الموقف من قضية الوحدة الترابية للمغرب، وذلك رغم الجهود المخلصة التي بذلها من هنا وهناك عدد من الرفاق على رأسهم رفيقنا الفقيد أبراهام السرفاتي.. اتصل بي أحمد حرزني بباريس وعرض علينا المشاركة في تشكيل منظمة” 23 مارس” وهي منظمة سرية سوف تنشط بالمغرب وفرنسا اتفقنا على جملة من الأمور. وما إن أتى على ذكر رغبته ورفاقه في الاستعانة بخبرة رجالات المقاومة المغربية حتى أوقفته محذرا. قلت له بصريح العبارة إن السير في هذا الطريق محفوف بالمخاطر وبالفخاخ. أغلب المقاومين الأنقياء الذين أعرفهم إما ماتوا أو “دخلوا سوق راسهم” وما تبقى منهم يبحث لنفسه عن نشاط ما، فهم “ملغّمون” ويتحركون في دوائر كلها غموض في غموض. لم ينصت لنصيحتي أو بالأحرى لم يقدرها حق قدرها. وذهب هو وبعض الرفاق ضحية هذا النوع من العلاقات حينما ضبط أحدهم وبحوزته سلاح في أكادير، واعتقل عدد من أعضاء جماعته التي عرفت باسم “لنخدم الشعب” في أوائل السبعينات. وفر متابعون آخرون غيرهم من 23 مارس إلى الجزائر حيث أعددنا لهم جوازات سفر مزورة واستقدمناهم إلى فرنسا. كان علينا إيجاد لسان حال ناطق بأفكار تنظيمنا السياسي لذلك لجأنا إلى كاتب وصحفي فرنسي هو ألبير بول لونتان الذي ستربطنا معه منذئذ علاقة صداقة ورفاقة، وأصدرنا جريدة” 23 مارس” باسمه لأن قانون النشر في فرنسا ينص على ضرورة أن يكون المنشور الإعلامي باسم شخص من جنسية فرنسية. كان عدد من الرفاق في هيئة تحرير الجريدة أذكر منهم الفقيد رشيد سكيرج وأحمد الحجامي والعربي مفضال ومحمد الحبيب طالب… وكنت أنا من يرقن مواد الجريدة على الآلة الكاتبة. كما كنت المكلف بتوزيعها بنفسي على أكثر من ثلاثين فرعا للطلبة بفرنسا وبعث نسخ منها إلى الأحزاب السياسية المغربية وأيضا إلى الأحزاب التي لنا معها علاقات سياسية وإيديولوجية بالمشرق العربي. وعلى ما أذكر، صدر العدد الأول عام .1973واستمر الصدور بوتيرة شهرية امتدت إلى غاية .1979 وطيلة هذه السنوات أخرجنا 67 عددا كانت كلها ذات منزع انتقادي حاد لسياسة نظام الحسن الثاني. وبالرغم من أن كل أعضاء المنظمة كانوا يحملون هويات جزائرية مزورة، لم نوقر النظام الجزائري، بل كنا نوجه له انتقادات لاذعة فيما يخص موقفه من الصحراء المغربية وافتعاله لمشكل يعاكس به الوحدة الترابية للمغرب.







