الرباط فعلا مدينة “الأنوار”، تطورت كثيرا وأصبحت تضاهي كبريات العواصم العالمية، تستحق أن نفتخر بها لأن فيها كل شيء: الشوارع النظيفة والأحياء الأنيقة والعشب والنخيل والمساحات الخضراء والبحر وبورقراق والمارينا والاوداية والترامواي… ينقصها شيء واحد فقط، لكنه أساسي، المراحيض العمومية، حاشاكم!
من سنوات طويلة والرباط كلها لا تتوفر إلا على مرحاض عمومي واحد، يفترض أن يستوعب حاجات مليون من البشر، إذا احتسبنا السياح الداخليين والخارجيين، الذين يزورون العاصمة.
من المؤسف أن نرى في 2024 مَنْ مازال يفتح سرواله في الشارع، كي يسقي شجرة أو حائطا أثريا بأكسيد الأمونيوم، لأنه لم يعثر على “تواليت” كي يقضي حاجته.
ومن العيب أن نشمّ “تلك الرائحة” العطنة، التي لم تعد تتناسب البتة مع شوارع المدينة النظيفة.
ومن العار ألا يجد السائح مكانا يقضي فيه حاجته في قلب العاصمة، بينما المغرب يستعد لتنظيم كأس العالم، بجماهيره الغفيرة التي تأتي من كل أنحاء العالم.
ومن المحبِط أن نغمس أقلامنا مجددا في المراحيض، بعد كل المقالات التي كتبنا في الموضوع، على امتداد عقدين من الزمن، دون أن يتغير أي شيء!
رغم تعاقب كل ألوان الطيف السياسي على إدارة شؤون العاصمة، من “الاتحاد الاشتراكي” إلى “الأحرار” مرورا بـ”العدالة والتنمية”، لم ينجح مجلس المدينة في وضع حدّ لهاته المعضلة التي تزكم الأنوف. لا ولعلو ولا الصديقي ولا أغلالو تمكنوا من فكّ عزلة “التواليت” اليتيم الذي يقبع في باب الحد. ولا يبدو أن عمدة الرباط الجديدة، تضع القضية بين أولوياتها. بدل الاهتمام بالمراحيض العمومية، تبدو فتيحة المودني مشغولة بإعادة “الصابو” إلى شوارع العاصمة، ضدا على الأحكام القضائية التي أكدت أنّ شلّ سيارات المواطنين، بدعوى عدم دفع فاتورة الباركينغ، عمل خارج القانون. ولا نعرف هل يُنتخب العمدة في العاصمة كي يطبّق القانون ويحسِّن حياة السكان أم لتحقير المقررات القضائية والعودة بالمدينة سنوات الى الوراء!
المرحاض العمومي مرفق حيوي، لا يمكن الاستغناء عنه. لذلك لا بدّ أن يكون أولوية في جدول أعمال مجلس المدينة. وهناك تجارب لدى الجيران الشماليين، كلفتها معقولة جدا، يمكن الاستلهام منها لبناء “تواليتات” عمومية تفي بالغرض. وحدات جاهزة (préfabriquées) مع حفرة معقمة بالجوار. يكفي أن تتوفر الارادة وحسن التدبير ويغيب الاستهتار والجشع!
في انتظار ذلك، دعوني أختم بقصة طريفة لها علاقة بالمرحاض، حاشاكم، وقعت لي قبل سنوات. كنت أسكن في الرباط بشقة مجاورة لطبيب مشهور، يحج إلى عيادته المرضى من كل أنحاء البلاد، لأنه ماهر في تخصص نادر هو جراحة الدماغ. كان الدكتور يأتي متأخرا، لأن الزبائن مضمونين. ليس قبل الثانية عشرة ظهرا. لديه سكرتيرة يقظة، لكنها تتسابق معه في النوم، ولا تفتح العيادة قبل العاشرة أو الحادية عشرة صباحا. المشكلة أنهم يتأخرون ويتركوننا، نحن الجيران، نواجه حشودا من المرضى وأهاليهم. كل صباح يتكدسون على أدراج العمارة وأمام شقتي، كيفما اتفق، ساعات قبل أن تفتح العيادة. معظمهم يأتي من مدن وبلدات بعيدة، كما تشي بذلك سحناتهم وطريقتهم في الانتظار. عندما تقطع أربع ساعات أو أكثر كي تحظى بموعد طبي، لا يبدو عليك الانزعاج وأنت تنتظر أمام العيادة، لأنك وصلت أخيرا، و”ما بقى قد مافات”. أما عندما تأتي من مكان قريب، فإنك لا تستحمل الانتظار، تقضي الوقت كله في التأفف والاحتجاج.
المرضى الذين يزورون جاري، يبدون مطمئنين في انتظارهم، غير منزعجين بتاتا، حتى لو وصل الطبيب في آخر النهار. المهم أن يأتي. “لا زربة على صلاح”. يجلسون على الارض، وأحيانا يتمددون ويعيقون المرور. تنزل من شقتك وأنت تتعثر في عباد الله، كأنك خارج من سيدي علي بوسرغين. ليست هذه المشكلة الوحيدة التي كان يتسبب فيها الدكتور. مرارا كنت أسمع طرقا على الباب، وحين أفتح أجد شخصا لا أعرفه، لأكتشف أنه واحد من مرضاه، يستأذنني في استعمال المرحاض…
كيف تمنع رجلا مسنّا أو عجوزا مريضة من دخول الحمّام، دون أن تشعر بعقدة ذنب بقية حياتك؟ كنت أفتح بابي “على سعدي ووعدي”، وأوفّر للزوار ما يلزم من أدوات تنظيف بعد الخروج من بيت الماء. أحيانا أقترح عليهم الشاي أو القهوة في انتظار وصول الدكتور المحترم. هكذا تحول بيتي الى مرحاض عمومي بسبب طبيب كسول! كنت سأقاضيه، عندما طفح الكيل، لكن صديقي المحامي قال لي إنك لن تربح شيئا لأن مشكلتك مع المرضى وليست معه، وبقيت أشتغل لديه “مَادام پيپي” لعدة سنوات!
“تلك الرائحة”







