“نحن أولئك الممثلون الذين دُفع بهم إلى المسرح دون إعطائهم دوراً محدداً، دون مخطوطة في اليد، ودون ملقن لهم بما عليهم أن يفعلوا، إنّ علينا وحدنا أن نختار كيف نعيش حياتنا” جان بول سارتر
يُحيل حميد شباط إلى الصورة النمطية التي أصبح عليها الفاعل السياسي في المغرب بعد زمن الكبار، القليل من العلم والمعرفة والكثير من الحماس والاندفاع، وروح خطابة شعبوية، الصعود إلى القمة والنزول نحو الهاوية بذات السرعة، ذلك الخلل في عملية النشوء والارتقاء للنخبة السياسية الجديدة لما بعد جيل الاستقلال، الطموح الجامح والميكيافيلية المستشرة، الخروج من قلب تنظيم تاريخي بامتداد جماهيري وبرموز باذخة وعدم النجاح في وشم الحزب بذات الميسم الذي ميز الأساطين الكبار، العصامية في التكوين وفرض الذات بشكل ملفت للانتباه، والدهاء الكبير مع غياب الوعي الاستراتيجي، وافتقاد الفكرة النيرة التي تقود بذكاء اللعبة السياسية في أوقات الشدة كما في زمن الرخاء، سمة التحول لنخبة أصبحت مثل قطع خنفسائية على رقعة شطرنج غير ثابتة، من اليمين إلى اليسار أو العكس ب180 درجة دون إحساس بالحاجة إلى تفسير تبدّل المواقع..
حميد شباط يخسر كل شيء حتى مُزحة “مبروك العيد”
شباط معجب بالإقامة في تركيا، لقد تحول إلى “آغا”، بعد أن كان زعيما نقابيا وأمينا عاما لحزب تاريخي مغربي وعمدة لمدينة العلم والعلماء.. جاء في زمن النهايات، ووشم اللحظة التي عبرها بميسم لغو المرحلة وغلو مرجلها لا باعتبار ما يثبت في قلب التاريخ، حيث كانت تحتفي به الصحافة الوطنية، وكان يخلق الحدث في كل حين، لكنه اليوم أصبح نسيا منسيا.. فلا أحد يتحدث اليوم عن حميد شباط.. ولا صحافي فكر في مهاتفة شباط، ليقول له: “احك لنا ما حدث، كيف تبدّل حالك؟ احك يا شهرزاد بالكلام المباح ولو أنك تعرف ألا صباح ينتظر شروقك، فأصحاب القرار المتحكمين في صنع السياسة ببلدنا أصبحوا يغيرون زعماء أحزابنا كما تغير الأم حفاظات طفلها..
في مرحلة ما قبل انطفاء نجمه، كان الكل ضد شباط وشباط ضد الكل، وحتى شباط ضد شباط.. لم يعد الرجل لا أمينا عاما لحزب علال الفاسي ولا رئيسا لنقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب ولا عمدة للعاصمة العلمية ولا حتى رئيسا لأحد مجالسها البلدية، لقد فرغت الدولة العميقة من حميد شباط بعد أن كانت قد تفرّغت له..
هل سيردد حميد شباط بعد اليوم، عبارته المفضلة: “مبروك العيد”، وهو الذي يبدو أنه لن يفرح بعد هزيمته بأي عيد بعد الآن؟ لن ينظم مسيرة بالحمير ولا بالبغال، لن يُدخل أرضا أو يُخرجها من المجال الحضاري، لن يفتح صحافي عدسة الكاميرا وميكروفون التسجيل أمام شباط، إذ حتى وسطاء التلميع الصحافي يائسون من صنع صورة أخرى ملمعة كما تلمع الأحذية لشباط.
فشباط الذي كان يقيم الدنيا ولا يقعدها، أصبح يتيما ولا أحد يراسله كما كولونيل غارسيا ماركيز، ولا شك أنه يحس بالحزن، لن يقول عن ابن كيران لا إنه داعشي ولا إنه رجل.. لقد قام شباط بكل شيء حتى لا يكون أمينا عاما! ولا زعيما للنقابة الاستقلالية ولا عمدة لفاس ولا لغير فاس، ولا حتى منتخبا جماعيا… عاد بن كيران إلى شغبه وإلياس العماري إلى الصورة.. إلا شباط الذي غاب نجمه.
ادعى البطولة وهو الذي قاد حزبا وطنيا كبيرا نحو جميع الخيبات.. حاول مقاومة طواحين الهواء مثل دون كيشوت آخر الزمان، بعد أن أطلق العنان لفمه ليفشي أسرار الدولة لخصومها المفترضين، وتحول من نقيض بن كيران إلى حليف يتيم لرئيس حكومة سابق.. وهو كله ثقوب.
يقول المغاربة: “ما صعيبة غير البدية”، أما النهاية فهي مسك الختام، وشباط بدأ محظوظا وأحس بأن هناك من أكل بفمه الثوم، دون أن يصل إلى معدته شيء من الطعام، وحين رفض أن يستمر في لعبة أكل الثوم، وجد نفسه يتقيأ حتى ما لم يأكله، ومع كل ضربة كان يحصي عدد الأسنان التي سقطت من فمه، حتى أنه لم يعد قادرا على العض..
شباط أصبح اليوم بلا أسنان.. بلا حزب، بلا نقابة، بلا عمودية، بلا بلدية، بلا فريق في البرلمان، بل بلا مقعد له في القبة التشريعية.. شباط حزين فكيف سيقول لمن حادثه: مبروك العيد.. إذا سأل فيه أحد أصلا.. مسكين شباط لم يعد لديه من يشبط فيه.
حين كان شباط يشبط في كل شيء
اختار شباط في شهر “شُباط” فبراير، أن يفتح النار على الكل، أن يذكر بخريطة الإمبراطورية المغربية الشريفة التي تمتد حتى نهر السينغال، فاندلعت أزمة مزلزلة مع الجار الموريتاني، لم يعتذر وكان مستعدا ليعيد كلامه عشرات المرات وإن اقتضى الأمر أكثر من ذلك في اليوم الواحد، إنه شباط، الذي لا يوجد في لسانه أي عظم.. أقصد ما يعظم به الشيء ويكبر به ويصبح حجة له، فشباط الذي قال عن بنكيران إنه داعشي وعميل المخابرات الإسرائيلية “الموساد” وتلميذ التنظيم العالمي للإخوان المسلمين.. هو نفسه الذي قال إن بنكيران رجل صالح ووطني وبعظمة لسانه، عفوا إن العظمة هنا هي ما يفضل عن الشيء حتى أن نقول ترك له عظما ليقدده، وشباط الذي يقول إنه ورث علم فاس التي أكد أن الرسول (ص) ذكرها في أحاديثه الشريفة، لم تنفعه بركة أوليائها الصالحين في زمن الشدة..
في اللغة العربية تعني كلمة شبط يشبط، تمسك وتعلق مستعينا بيديه ورجليه، وشبط الشيء في غيره، مسكه وجعله يعلق به.. وشباط منذ جاء بدعم داعم، “شابط” في بن كيران أي لاصق ومتعلق به، وهو شابط أيضا في المحيط الملكي وفي قنوات الإعلام السمعي البصري، وفي زعماء الأحزاب التي كانت تسمى إدارية، أي متهجم عليها مصفيا حساباته معها، وهو مستعد للشهادة في محكمة القرن بعد أن قررت وزارة الداخلية تحريك دعوى قضائية ضده بعد أن بلغ به الجنون عتيا، حين اتهم الدولة العميقة بشن عملية واد الشراط لقتل المعارضين، ومستعد للاستشهاد والتبرع بأعضائه كما ظل يردد..
شخصية “طرطوف” السياسي بالمغرب
يبدو شباط مثل بطل “طرطوف” في ملهاة موليير، ذلك السياسي الذي يتظاهر بكل شيء، العواطف الإنسانية النبيلة، الفضيلة، النزاهة، الخشوع والصدق، فالرجل منذ زمن بعيد وضع كل رهانه على أن يربح كل لعبة يخوضها، قبل أن يرمي به في رقعة اللعب يحسب شباط ضربات النرد (الدادوس) بدقة، يتحاشى الخسارة، غير أنه في حمأة تخطيطه للربح الصافي لذاته في كل لعبة يشارك فيها، يرتكب الكثير من الحماقات والأخطاء القاتلة التي تدفعه إلى الإخفاق، في اللحظة التي يعتقد فيها أنه قد ربح اللعبة في آخر المطاف.
في منزل شباط تجد الكرم الحاتمي، البساطة والتلقائية، بذخ في غير إسراف، التواضع الكبير، وإذا دخلت منزله فلا تراه إلا مبتسما مرحبا، بيته في أكبر حي شعبي في فاس حي “بنسودة”، مزار للناس من كل الأصناف، المحتاجون، الأصدقاء والأتباع، مناضلو الحزب، شخصيات سياسية وأخرى من عالم المال والأعمال… هكذا كان منزل حميد شباط دوما، في ركن من بيته تجد أثواب كفن الموتى، أواني الطبخ للحفلات والولائم، وكل من التقاه أو هاتفه، خاطبه بعبارته المفضلة الملتصقة به حد التصاق الجلد بالعظم: “مبروك العيد”.. هذا كان قبل ان يصبح مترددا بين تركيا وألمانيا بعد أن ثقب الورقة كما يقال.
لكن في الجهة الأخرى، يقيم الرجل كل شيء بحساب دقيق، ماذا سيربح؟ وماذا سيخسر؟ ويبدو حميد شباط كما لو أنه شخص يقود حملة انتخابية طوال السنة، لكن كما انتهى طرطوف مندحرا يطارده الإخفاق وتحف به الخسارة، يبدو أن شباط سار حذوه بإصرار تراجيدي.
هذا ما رأته أم شباط لحظة ميلاده
في قلب قبيلة البرانس، في ضواحي مدينة تازة، ولد حميد شباط في 17 غشت 1953، كان أبوه فلاحا بسيطا وعضوا في حزب الاستقلال، كما باقي أفراد الأمة يومها، درس بمدينة شفشاون حتى حدود مستوى التعليم الثانوي، ويبدو كما لو أنه كان مستعجلا لاختصار مساره التعليمي أيضا، فتوجه نحو التكوين المهني بولوجه معهد التكنولوجيا التطبيقية « ETA » بفاس عام 1970 حيث حصل على شهادة تقني في الخراطة العصرية عام 1972.
من قلب فاس العالمة، وبدبلوم بسيط سيبزغ نجم حميد في الأوساط النقابية، وسيزاحم السياسيين من ذوي الشهادات الجامعية العليا، لذلك كان من الطبيعي أن يهاجمه خصومه وحساده بأوصاف: “السيكليس” و”الميكانيكي” وحين ينعتونه ب”الأمي” يرد بأنه على الأقل يشترك مع النبي في صفة، لكن ذلك لم يمنع هذا القليل الحظ من العلم من أن يصل إلى قلب عمودية العاصمة العلمية لولايتين وبشكل مريح، وأن يعتلي رأس ثالث أكبر نقابة عمالية بالمغرب، وأن يلج باب العزيزية بشارع بن تومرت، ليصبح أمينا عاما لحزب الرئيس علال الفاسي، وفيما يشبه سخرية الأقدار سيتمكن من دحر أكبر أبناء الزعيم الروحي لحزب الاستقلال.
ليش فاليسا، صناعة محلية بملح وإبزار مغربي
في قلب مصنع إنتاج الأسلحة الذي تحول إلى صناعة الدراجات النارية، تلقى حميد شباط تكوينه النقابي الأولي وتعلم كيف يشحذ سلاحه ضد خصومه، لذلك فحتى في اللقاءات السلمية كان ابن البرانس مستعدا لإطلاق صواريخه في كل الاتجاهات.. حين ولج شركة “طكسنور” كتقني، برز بين أقرانه بجرأته، ولما عمل بشركة “سميف” في أواخر 1974، كرئيس مصلحة لمعمل صنع الأسلحة والعتاد الذي تحول إلى مؤسسة للصناعات الحديثة، وفي عز الصراع مع الإدارة سيبزغ نجم الشاب حميد شباط الذي استقطبه فرع نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بفاس، حيث أصبح كاتبا عاما لنقابة “سميف” عام 1981، لقد مكنته قدرته على المناورة والخطابة، وجرأته وشدة حماسه من أن يسحر هؤلاء العمال البسطاء القادمين من هوامش فاس، ويصبح مندوبا ناطقا بلسانهم، يقول الكلام المحتبس في حناجرهم، فأسلسوا له رقابهم بلا عناد، وبشكل مثير للانتباه سيصبح شباط عضوا في المكتب الإقليمي لنقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، لقد كان بالفعل نقابيا شرسا وله قدرة خطابية بسيطة لكنها تأسر مخاطبيه البسطاء، فحاز ثقة الشبيبة الشغيلة التي سيصبح قياديا بارزا بها في أواسط الثمانينيات، في كل هذا المسار وحده شباط كان يحس بأنه منذور لمهام كبرى، ألم يخطب يوما في عز إحدى حملاته الانتخابية بأن أمه حين ولدته، رأت نورا في قلب صبيها، وفي الليلة السابقة التي كان قد داهمها فيها المخاض، وقف عليها أحد الأولياء وهو يشير إلى فاس، ليبشرها بأن ابنها سيكون له شأن عظيم.. وزد عليها الكثير من أساطير الأولين.
حرق مدينة فاس.. صعود نجم شباط
في 14 دجنبر 1990، كان موعد تنفيذ أول إضراب مشترك بين نقابة الأموي، الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ونقابة أفيلال، الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، اشتعلت التظاهرات في مدينة فاس، كان الاتهام موجها إلى حميد شباط حول إحراق فاس، وهنا أيضا لا يعدم الذين يشيرون بأصابع الاتهام إلى حميد شباط في كونه كان يتلقى تعليمات من وزير الداخلية السابق الذي كان دوما في حاجة إلى إبراز جديته وقدرته على التحكم في مجرى الأمور، فعلى عادة الانتفاضة الدورية التي ظل يعرفها النظام السياسي بالمغرب منذ انتفاضة 23 مارس 1965، إضرابات 1973، وانتفاضات البيضاء عام 1980 وانتفاضة الشمال ومراكش عام 1984، كان لابد من البحث عن مخرج متحكم فيه للحمم المشتعلة داخل البركان المغربي، وكانت فاس محطة اختبار قصوى لإعادة ترتيب موازين الصراع في الحقل السياسي، وحجة هؤلاء، كيف يقود شباط انتفاضة 14 دجنبر بفاس، ولا يحاكم ولا يُختطف ولا يدخل سجنا بل بالعكس سوف ينجح في انتخابات 25 يونيو 1992، وسينقلب على ولي نعمته أحمد مفدي الذي علمه الأبجديات الأولى في السياسة قبل احتضانه من طرف تيتنا العلوي.
ويستمر المتشككون في تفسير ما يبدو لهم شبهة في ما حدث في فاس في دجنبر 1990، كان إدريس البصري في حاجة لإبراز قوته في الضبط والتحكم، حتى حين يهتاج البلد وتجتاح بعض أقاليمه القلاقل، وكان ابن البرانس في أوج تفتق مواهبه النقابية، في الخطابة والتهييج، لذلك التقت إرادتان، لكن حميد شباط يصر على دحض هذا الاتهام وتفنيده ويؤكد “لقد اختبأت في بيت قرب مقر النقابة بفاس، وكنت أعرف أن السلطات لن تظن أن شباط سيلجأ للإقامة قرب مقر النقابة”، لكن يسكت شباط عن كيف خاض الحملة الانتخابية، وكيف حصل على توصيل الترشيح وهو مبحوث عنه من طرف رجال الأمن، يقول في حوار مع جريدة “أخبار اليوم” في 01/06/2010:
“س- لكنك عرفت أن الأمن يبحث عنك؟
ج- لا، ولكن هناك أقدارا، هذه مسائل ربانية لا يمكن إدراكها. لأنه إذا استرجعنا إضراب 14 دجنبر فإنه يصعب معرفة كيف مرت الأمور، وكيف لم أعتقل ولم أقتل أو أعدم، لأن صديقي تيتنا العلوي اعتقل في وقت كنت واقفا معه، لأن الذين جاؤوا لاعتقالنا أتوا من الدار البيضاء، ولم يتعرفوا علي.. وقد كنت أبيت في مقر النقابة والأمن يبحث عني في فاس كلها.
س- هل كنت تغير ملامحك؟
ج- لا، لكنها أسرار لا يعرفها إلا الله.. ثم إن زوجتي اعتقلت رفقة ابني نوفل وعمره 11 عاما، وقد تعرض للضرب عندما سألوه: أين أبوك؟ وتم الاتصال بي من طرف الأمن لإبلاغي بأن زوجتي توجد لدى مركز الدرك، فأجبتهم بأنها مناضلة أعانها الله، حيث كانوا ينتظرون أن أسلم نفسي لكني رفضت.
س- أين كنت مختبئا؟
ج- أمضيت شهرين في فاس، وأربعة أشهر خارجها.. وأحيانا كنت أقيم في بيت قرب مقر النقابة بفاس، ولم يكن أحد يظن أن حميد شباط سيأتي إلى بيت قرب النقابة. حيث كنت أشرف على اجتماعات النقابة، وكانت جريدة «العلم» تنشر تغطية حول لقائنا، فتثار زوبعة حول كيفية دخولي إلى المقر.”
هناك بعض الانفلات في تصريح شباط، اللا مفكر فيه، يقول: “تم الاتصال بي من طرف الأمن لإبلاغي بأن زوجتي توجد لدى مركز الدرك، فأجبتهم بأنها مناضلة أعانها الله، حيث كانوا ينتظرون أن أسلم نفسي لكني رفضت”.. والحال أنه لم يكن هناك هاتف محمول، في عام 1990/1991، ولو كان لحددوا موقعه لحظة الجواب واقتحموا عليه مخبأه، يومها لم يكن إلا الهاتف الثابت، بمعنى أن رجال الأمن كانوا يعرفون محل إقامته، واتصلوا به وهو أجابهم بأريحية، وهم لم يقصدوا المنزل الذي رد عليهم منه.. وإذا لم يكن الاتصال بالهاتف، فسيكون عن طريق واسطة يعرف أين يختبئ الزعيم النقابي وهل كان الأمن غبيا حتى ينتظر رد الواسطة، يجب أن نتوفر على الكثير من توابل الغفلة لنصدق رواية حميد شباط في هذه على الأقل كي لا نموت بلداء؟
انقلاب حميد على صانعه مفدي
كان أحمد مفدي، الشاعر والأستاذ الجامعي أول من التفت إلى نباهة هذا الشاب وحماسته الزائدة فاحتضنه وقربه منه، وهو أول من لقنه أبجديات العمل السياسي، لكنه سرعان ما قلب عليه ظهر المجن، ففي عام 1993، عمل حميد شباط على حشد ثلثي الأعضاء لقلب أحمد مفدي، رئيس المجموعة الحضرية يومها… لم يكن شباط يفكر خارج أنه “كائن انتخابي”، كما يصف نفسه في ذات الاستجواب المشار إليه أعلاه، لقد أخذ هذا النقابي يرتب بذكاء مساره الصاعد بقوة بتوجيه من محمد الدويري الذي سيتبنى حميد شباط وسيقدم له كل الدعم، وفي عام 1989، سيدفعه لتقديم ترشيحه أمام شيخ الاستقلاليين وحكيمهم محمد بوستة، كان الصراع يومها على أشده بين محمد الدويري عن فاس ومحمد بوستة عن مراكش، لقد توقفت أشغال المؤتمر، اعتاد حزب الاستقلال أن ينتخب أمينه العام بالإجماع من المؤتمر، ليكون له وضع سيادي على الحزب، لكن محمد الدويري ألح على أن ينافس بوستة، وتم احتجازه من طرف جماعة الرباط يومها، وأخيرا وبعد توافق سمح له بإلقاء كلمة طويلة في الجلسة العامة، لكن كان قد تم الاتفاق على أن يقدم شباط ترشيحه للأمانة العامة حتى لا يفرح بوستة بالإجماع الحزبي.. وقد جازى شباط محمد الدويري بأن دعم رئاسته على مجلس جهة فاس بولمان.
شباط الداهية الذي كان يقدم مرشحيه باسم أحزاب أخرى
حين كان عبد الكريم بن عتيق يسعى لتأسيس حزبه العمالي، عرض عليه حميد شباط مدينة فاس ودعما لانطلاق الحزب الفتي، كان في ذهن شباط أن يؤسس الأبناء المنشقون عن الاتحاد الاشتراكي حزبهم الجديد في قلب العاصمة العلمية، لضرب أشقائهم بالمدينة، فمعروف لدى محترفي الانتخابات بمدينة فاس، أن حميد شباط في أوج تألقه الانتخابي الذي جعله عام 1992 نائبا لرئيس جماعة زواغة بفاس ثم رئيسا لذات الجماعة في انتخابات 1996، ورئيسا لجماعة زواغة الحضرية بين 1997 و2003 وعضوا بمجلس النواب عام 1997، وعام 2002، وانتخب في 23 شتنبر 2003 عمدة لمدينة فاس وأعيد انتخابه للمرة الثالثة في انتخابات 2007 كعضو بمجلس النواب وإذا فشل في استعادة عمودية فاس عام 2015، فإنه ظل عضوا بمجلس النواب للمرة الخامسة.. معروف عن هذا الكائن الانتخابي أنه كان يعير مرشحين تابعين له لأحزاب منافسة، وبهم وعبرهم يصنع معارضته المتحكم فيها أو أغلبيته الطيعة، أو يخلق تحالفات غريبة كما حدث مع ممثل الحزب اليساري الراديكالي الذي كان سندا لشباط منذ عام 2003 قبل أن تسوء علاقتهما.
جعل النقابة حصان طروادة
العديدون يعتبرون حميد شباط صناعة إعلامية، فالرجل يحب أن يثير دوما من حوله ضجيج الإعلام، وفي تقديري أن الإعلام قد صنع شباط لكنه أيضا تسبب في نكساته، لكن ليس الإعلام من جعله ينتزع نقابة الاتحاد العام للشغالين من مالك مفاتحها عبد الرزاق أفيلال، وبذكاء لم يجعل نفسه في الواجهة، بل دفع برئيس الجامعة الحرة للتعليم أحمد بن جلون الأندلسي لكي يتزعم النقابة الاستقلالية عام 2006، وتوارى في الظل ثلاث سنوات، إلى أن جاءت اللحظة المواتية وقاد حرب استرجاع ما اعتبره ملكا معارا للأندلسي في 2009.
هكذا ستصبح النقابة حصان طروادة، لقد جاب الرجل المغرب طولا وعرضا، وأعاد الحياة لجسد نقابة مهترئة، وعبرها ومن خلال التنسيق مع التنظيمات الحزبية، خاصة الشبيبة الاستقلالية، سيقلب موازين القوى داخل حزب الاستقلال، وسيتحكم في كل مفاصل التنظيم حتى أضحى الأمين العام يومها عباس الفاسي رهينة بيد شباط الذي تحكم في إعادة ولايته عبر لي عنق القانون الذي كان يحرم تجاوز ولايتين، فدعم شباط لولاية ثالثة مقابل مباركة الأمين العام لحميد شباط.
من قلب العرجات بشرق الرباط وداخل أروقة مقر النقابة بالعاصمة، سيبدأ شباط في التخطيط لغزوته الكبرى لاكتساح باب العزيزية، في مواجهة شرسة مع عبد الواحد الفاسي، استعمل فيها كل الأسلحة حتى اللاأخلاقي منها.. وسيتمكن بفارق بسيط في الأصوات أن يتوج في المؤتمر 16 عام 2012 أمينا عاما لحزب الاستقلال، في سابقة في تاريخ حزب علال الفاسي، لا تماثلها إلا واقعة الأخ الشقيق الاتحاد الاشتراكي.
من الشهادة إلى الاستشهاد
لشباط قدرة استثنائية على التشبيك، خلق شبكات من الحواريين والأتباع الذين أحاطوا به مثل السوار، وكانت أول مهمة بدأ بها هو فك الخلايا النائمة لعائلة آل الفاسي التي شن اتجاهها حملة تطهيرية جعلت عبد الواحد الفاسي ومناصريه يؤسسون تيار “لا هوادة”، وسببوا الكثير من الإزعاج للأمين العام الجديد، قبل ان يتم طرد العشرات منهم في سابقة في تاريخ الاستقلال.. وفجأة سيلعب حميد شباط لعبة أهل الحال، سيبدأ في مضايقة رئيس الحكومة، وبشكل غامض سينسحب من الحكومة لتأزيم بن كيران وسيضع يده في يد إلياس العماري وادريس لشكر، وسيبدأ في قصف عبد الإلاه بن كيران، بلا حساب ولا ميزان.. لكن بمجرد استشعاره بعدم حصوله على عمودية فاس التي سرقها منه خصومه السابقين في العدالة والتنمية، سيتصل بوزير الداخلية التماسا لدعمه في رئاسة الجهة في انتخابات 2015، وسيقوم حصاد بطرح الموضوع في مجلس وزاري وبلهجة حادة.. في ذات الآن كان أبناء شباط يخلقون له الكثير من المعارك الفرعية في المحاكم ولدى البوليس في قضايا ذات طابع أخلاقي، لكنها لا تخلو من رائحة انتقام جهات نافذة من حميد شباط.
وسينقلب شباط 180 درجة مرة أخرى اتجاه حزب العدالة والتنمية بعد إحساسه بالتخلي عنه من طرف الجهة التي تعاقد معها على هدم صورة بن كيران ومواجهة حزب العدالة والتنمية والتي كانت تأتي بنتائج عكسية، لذلك سيخاطب شباط في اجتماع لإحدى الروابط الحزبية في عام 2015، “حزب الاستقلال حزب سلفي، واتركوني من الحداثة وغيرها، حزبنا متشبث بالدين الإسلامي ونحن محافظون على قيمنا، حتى احنا أنتبناوا نفس الخطاب ديال العدالة والتنمية، أنا تنضرب فبن كيران والشعبية ديالو تتزاد وتتقوا، حنا حزب محافظ”..
لم تكن تصريحات شباط حول موريتانيا سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، لكن تسريبه لما حدث من اتفاقيات سرية في 8 أكتوبر كانت تعني لي الذراع، ذراع الدولة.. لذلك بدت المعركة غير متوازنة في شخص مرئي وجهاز غير متعين ولا محدد يمكن الإشارة إليه بوضوح، ويلعب شباط دور المحارب الكاميكازي، وليس كشف ممتلكاته سوى عملية قرص الأذن، لذلك حاول شباط رفع سقف التحدي لدفع الجهة الأخرى للتفاوض لإجراء اتفاقات متواطئ عليها.. وإن كان قد فات الأوان بعد أن انفرط حبل الود واشتعلت الكثير من النيران في ثوب شباط. ووجد نفسه في زمن كورونا مثل لعنة الفيروس الذي يتحاشاه الكل، من تركيا إلى ألمانيا غاب حميد شباط، وحين عاد كان كل شيء تغير.
عاد الحزب إلى نزار بركة حفيد علال الفاسي الذي جعل حميد شباط مثل فاصلة صغيرة في حياة حزب سيظل كبيرا مهما أصابه من أعطاب، وبدأت التنظيمات الحزبية تحاول أن تعيد ما تبقى من عافيتها وخرج الحزب من الضبابية التي أدخلها فيه شباط، الذي تشبث بغصن الزيتون، ولم يلاقي لا بردا ولا سلاما على النيران التي أكلت كل ما شيده سوى ثروته.. إنه طرطوف السياسة بالمغرب بامتياز.







