تشهد كاليدونيا الجديدة وهي أحد الأقاليم الفرنسية ما وراء البحار والواقعة جنوب غربي المحيط الهادئ أعمال شغب أججها مشروع قانون جديد أقره المشرعون في باريس الثلاثاء الماضي يسمح للفرنسيين الذين يقيمون في الجزيرة منذ عشر سنوات بالتصويت في الانتخابات. وبينما يؤيد معسكر الموالين للحكومة الفرنسية هذا الإصلاح، يرى معسكر الانفصاليين أن باريس تسعى من خلاله إلى “مواصلة التقليل من شأن السكان الأصليين المعروفين باسم شعب الكاناك”.
في مقابلة على القناة التلفزيونية العمومية فرانس2 الخميس، أكد وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان أن الدولة الفرنسية تتوقع استعادة السيطرة على الوضع في كاليدونيا الجديدة “في الساعات المقبلة” وذلك بعد أعمال شغب عنيفة شهدتها الجزيرة التي استعمرتها فرنسا في القرن الـ19، لليلة الثالثة على التوالي والتي أسفرت عن مقتل ثلاثة شبان من الكاناك -السكان الأصليين- ووفاة شرطي يبلغ من العمر 24 عاما متأثرا بجروح إثر طلقٍ ناري.
وذكر المفوض السامي للجمهورية في كاليدونيا الجديدة لوي لو فرانك في مؤتمر صحفي أن قوات الدرك واجهت حوالي خمسة آلاف من مثيري الشغب في ثلاث بلديات بالجزيرة الخاضعة للحكم الفرنسي، من ضمنهم ما بين ثلاثة وأربعة آلاف في العاصمة نوميا. وأضاف قائلا إن السلطات ألقت القبض على 200 شخص، وأصيب 64 من قوات الدرك ورجال الشرطة. ما أدى إلى إعلان الرئاسة الفرنسية حالة الطوارئ الأربعاء.
فتيل الاحتجاج
يعتبر إصلاح النظام الانتخابي الجديد في كاليدونيا الجديدة آخر بؤرة توتر في صراع يدوم منذ عقود بسبب دور فرنسا في الجزيرة الغنية بالمعادن التي تقع في جنوب غرب المحيط الهادئ على بعد حوالي 1500 كيلومتر شرقي أستراليا.
وقد اشتعل فتيل الاحتجاج بين متظاهرين والقوى الأمنية الإثنين الماضي على هامش تجمع للمنادين بالاستقلال احتجاجا على مشروع تعديل الدستور الخاص بالأرخبيل.
إذ أقرت الجمعية الوطنية ليل الثلاثاء الأربعاء نصا أيّده 351 عضوا وعارضه 153 يضاعف المستفيدين من حق المشاركة في الانتخابات ويثير غضب المنادين بالاستقلال.
علما أن هذا التعديل ينبغي أن يحصل على تأييد 60 % من البرلمانيين المجتمعين في فرساي، لإقراره.
ويهدف مشروع القانون الدستوري، إلى زيادة أعداد من سيُسمح لهم بالمشاركة في الانتخابات المحلية التي تكتسي أهمية كبيرة في الأرخبيل لتشمل كل المولودين في كاليدونيا الجديدة إلى جانب المقيمين بها منذ فترة لا تقل عن عشر سنوات.
وتأسف رئيس الحكومة المحلي المؤيد للاستقلال لوي مابو الأربعاء “لهذا المسعى الذي يؤثر بشكل كبير جدا على قدرتنا على إدارة شؤون كاليدونيا الجديدة”. موجها “نداء إلى الهدوء”.
ومن جانبها طلبت الشخصية الرئيسية الموالية للوجود الفرنسي أمينة الدولة السابقة صونيا باكيس من ماكرون إعلان حال الطوارئ “لنشر الجيش إلى جانب الشرطة والدرك”. مؤكدة “نحن في حال حرب أهلية”. وطالب حزب الجمهوريين اليميني بالأمر نفسه.
وبينما يؤيد معسكر الموالين للحكومة الفرنسية هذا الإصلاح، يرى معسكر الانفصاليين أن باريس تسعى من خلاله إلى “مواصلة التقليل من شأن شعب الكاناك الأصلي” الذي كان يمثل 41,2% من سكان الجزيرة في تعداد العام 2019 مقابل 40,3% قبل عشرة أعوام.
عملية إنهاء الاستعمار
انخرط سكان كاليدونيا الجديدة في عملية إنهاء الاستعمار منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما شهدت أراضيهم التي عرفت الوجود الفرنسي منذ القرن التاسع عشر، فترة اضطرابات بلغت ذروتها في عملية احتجاز رهائن وهجوم على كهف أوفيا في ماي 1988، والتي أسفرت عن مقتل 19 من الناشطين الكاناك وستة عسكريين فرنسيين.
وبعدها بأقل من شهرين، نجح الاستقلاليون والموالون لفرنسا في إبرام اتفاقات ماتينيون التي أعادت تقسيم السلطة في كاليدونيا الجديدة. عشر سنوات بعد ذلك، تم توقيع اتفاق نوميا الذي جاءت على إثره عملية لإنهاء الاستعمار تدوم عشرين عاما.
وقد ساعد اتفاق نوميا للعام 1998 على إنهاء عقد من الصراع أودى بحياة 80 شخصا من خلال تحديد مسار للحكم الذاتي التدريجي، وحُدّد التصويت في الانتخابات ليقتصر على سكان الكاناك الأصليين والمهاجرين الذين يقيمون في كاليدونيا الجديدة منذ العام 1998.







