ينسج أستورياس روايته “الريح القوية” من قلب مأساة البروليتاريا التي استعبدتها الآلة الرأسمالية في حقول الموز بأمريكا اللاتينية، ويرصد معاناة الحياة هؤلاء العمال الذين ليسوا “أخياراً ولا أشرارا، لا سعداء ولا تعساء، وإنما مجرد آلات” منتجة في المعمل الكبير للرأسمال من خلال شركة تروبيكال للموز، “فهذه الشركة ولدت من أحلام البسطاء والفقراء، والمحتاجين وهي تعتمد في وجودها على الأيدي العاملة التي يتم وضع اليد عليها بشتى الطرق”، عبر سرد ممتع تشهد به ثلاثيته الروائية التي حصد بها الروائي الغواتيمالي ميغل أنخل أستورياس جائزة نوبل للآداب عام 1967، يتتبع تفاصيل الجحيم حيث يغير المال والآلة الوجه الإنساني للكرة الأرضية.
تنفتح رواية “الريح القوية” على مشهد تجمع جموع العمال بأسمالهم الرثة، المنهوكين حد العظم، بينما تمتص الآلة والمال روحهم وجوهرهم الإنساني راسما خيوط هذه التراجيديا التي تتزعمها شركة (تروبيكال الأميركية للموز) التي تتحكم في الإنتاج والأسعار، وتحصل على ما تريد، والبابا الأخضر الذي يدير الشركة “لا يعبأ بالحياة البشرية، إنه كائن من أرقام، إنه رقم مخطوط بالطباشير على الألواح السوداء في بورصة نيويورك”.
بينما العمال المزارعون يعيشون وسط الفاقة والعوز والحرمان عبر حياة جيلين “إنك تموت هنا شيئاً فشيئاً من الفقر، لست وحدك الذي تموت، وإنما أسرتك كلها، لأنه لا يوجد ما يكفي للطعام، وما يكفي للدواء، لا يوجد ما يكفي لكي يكون أبناؤك مثلما يجب أن يكونوا.. أنت أحد موتى الشركة”، يعلق أحد أبطال الرواية.
ويحيل عنوان الرواية “الريح القوية” إلى واقع محلوم به حيث تهب رياح التغيير. ف”الريح القوية” ستكون، مثلما قلت حضرتك، وسيلة ثأر هؤلاء الناس المشتغلين، المهانين، المتألمين، المستغلين” وباعتبارها “الريح القوية التي لا تترك شيئا منتصبا عندما تهب، وإذا تركت شيئا فإنها تتركه جافا ويابساً”. لكن من سيعوض البابا الأخضر والشركات الرأسمالية المستعبدة للإنسان، هل سيكون أرحم بمزارعين يفتقدون الوسائل لتحقيق حياة أكثر عدالة؟
“الريح القوية” لأستورياس التي لا تترك شيئا منتصبا عندما تهب







