خوان كارلوس الأول يستقبل رئيس الحكومة، ماريانو راخوي. كان ذلك في 26 مايو 2014، خلال جلسة عادية أسبوعية في قصر زارزويلا.
قبلها بيوم واحد، جرت الانتخابات الأوروبية حيث حقق الحزبان الشعبي والاشتراكي نتائج سيئة.
يقترح الرئيس على الملك أن الوقت قد حان لتنفيذ الخطة التي يشتغل عليها عدد قليل من الأشخاص منذ أسابيع بناءً على قرار الملك.
لقد مضى عامان تقريبًا على تفكير الملك في هذا الأمر، ولكن لحظة الحقيقة تقترب، وهي لحظة التنازل عن العرش لابنه، الأمير فيليبي.
هذا الأمر ذو أهمية سياسية قصوى، بلا سوابق أو تشريعات تدعمه. يجب التحرك بسرعة، فهي قضية دولة الآن.
بعد ثلاثة أيام، في يوم الخميس 29 مايو 2014، يعقد دون خوان كارلوس اجتماعًا على أعلى مستوى: مع ابنه، ماريانو راخوي رئيس الحكومة، ألفريدو بيريز روبالكابا زعيم المعارضة، رئيس الديوان الملكي رافائيل سبورتورنو، وسورايا ساينز دي سانتاماريا نائبة رئيس الحكومة. يُبلّغ الحاضرون أن قرار التنازل عن العرش سيعلن يوم الاثنين 2 يونيو. بقيت أربعة أيام فقط.
في ذلك الوقت، لم يتخيل أحد في إسبانيا أن الملك خوان كارلوس يفكر في التنحي عن العرش. خلال ربيع 2014، كانت الفكرة السائدة في النخب والمجتمع ككل هي أن الملك سيواصل حكمه لفترة طويلة.
لكن في حقيقة الأمر كانت قد مرت سنتان على الأقل منذ أن بدأت هذه الفكرة تتشكل، وهي متأثرة بأسباب سياسية وشخصية تتشابك نحو هدف مشترك: التخلي عن العرش.
يقول ماريانو راخوي، رئيس الحكومة الذي أخبره الملك خوان كارلوس قبل بضعة أشهر بأن القرار قد اتخذ، أن الملك بدأ يفكر في هذا الأمر نهاية 2012 واتخذ القرار في 2014.
في 31 مارس، أوكل راخوي إلى لجينة منتقاة من الحكومة مهمة إعداد المسار القانوني لهذه العملية التي تحدث لأول مرة في العهد الديمقراطي الإسباني.
عملية التنازل الطوعي عن العرش هي دائمًا صدمة للنظام، لأنها غير طبيعية. عندما يتخذ الملك القرار ويقرر إشراك عدد قليل من الأشخاص، حيث لا يمكن لأحد أن يتخيل الظروف السياسية والشخصية التي دفعته للاعتقاد بأن الوقت قد حان.
ما هو أصل قرار دون خوان كارلوس؟
هناك سابقة بعيدة تتمثل في إدراك وجود مشاكل قضائية في النشاط المهني لصهره إنياكي أوردانغارين، زوج الأميرة كريستينا آنذاك.
ومع ذلك، وحسب ما توصلت إليه صحيفة ABC، فإن الأصل الحقيقي يكمن في أزمة بوتسوانا، الفضيحة التي ظهرت عندما تعرض الملك لسقوط أثناء مشاركته في رحلة صيد باذخة دعاه إليها رجل أعمال عربي.
أدى الحادث، ونقله الإجباري إلى إسبانيا ثم دخوله المستشفى، إلى أزمة غير مسبوقة مست سمعة القصر الملكي الإسباني.
فجأة، ولأول مرة منذ ثمانين عامًا، بدأت إسبانيا ووسائل الإعلام تنتقد رئيس الدولة، كان هناك شيء قد انكسر.
“أعتذر كثيرًا.. لقد أخطأت.. لن يتكرر الأمر”
دون خوان كارلوس، في 18 أبريل 2012 بعد إصابته في رحلة صيد في بوتسوانا.
انتهت تلك الواقعة بانتشار فيديو من قصر زارزويلا سيبقى في التاريخ. الملك خوان كارلوس، أهم سياسي إسباني في الأربعين عامًا الماضية، الزعيم الذي جلب الديمقراطية إلى إسبانيا، نطق عشر كلمات من الاعتذار والندم.
كان مشهدًا غير مألوف، قبل مغادرة المستشفى حيث خضع لجراحة في الورك الأيمن، وبمساعدة عكازين، تحدث الملك إلى الكاميرا التي كانت تسجله: “أعتذر كثيرًا.. لقد أخطأت.. لن يتكرر الأمر”.
كان ذلك في 18 أبريل 2012، أي قبل 745 يومًا، أكثر من عامين بقليل، من أن تعرف كل إسبانيا قرار التنازل عن العرش لابنه.
بدأ الملك يفكر جديًا في التنازل منذ عام 2012، ووصل الوقت الحاسم في عام 2014.
في ذلك العام، تقع ثلاثة أحداث تؤثر عليه شخصيًا وتدعم قراره بالتنازل.
في 5 يناير، يوم عيد الفصح العسكري، يخطئ دون خوان كارلوس عدة مرات أثناء قراءة خطابه. يلاحظ أنه يبذل جهدًا كبيرًا في القراءة.
في عديد الخطابات التي ألقاها رئيس الدولة الذي شغل المنصب لمدة تقارب الأربعين عامًا، لم يحدث له شيء مثل هذا من قبل.
كان الملك متعبًا وبدأت تظهر عليه مشاكل صحية، وهذا هو العنصر الثاني الرئيسي: في تلك الأشهر، يعاني دون خوان كارلوس من ألم كبير، خاصة في الظهر والورك.
في هذا السياق، يحدث حدث آخر يرهقه: وفاة أدولفو سواريز، رئيس الحكومة في الانتقال السياسي. شعر أن هناك جيل ينقرض.
مع جميع هذه العوامل الموضوعية والعاطفية، يأتي وقت التفكير في تاريخ الانسحاب. في السنوات الأخيرة، تعقد السياق السياسي تدريجيًا حتى مايو 2014، حيث يحدث عنصران سياسيان مهمان.
الأول هو إجراء الانتخابات الأوروبية: منذ أن حقق ماريانو راخوي أغلبية مطلقة واسعة (186 نائبًا) في عام 2011، تآكل نظام الحزبين بشكل تدريجي، وهو ما يتجلى في تلك الانتخابات الأوروبية: حصل حزب “بوديموس” على خمسة مقاعد في البرلمان الأوروبي وحزب “سيودادانوس” على اثنين.
القضية الثانية هي نتيجة الأولى، وهي حاسمة: استقالة ألفريدو بيريز روبالكابا من منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي بعد الهزيمة الانتخابية.
السؤال الذي يطرح نفسه هو: من سيتولى قيادة الحزب الاشتراكي في المؤتمر الاشتراكي المقرر عقده في يوليوز؟
في حزب ذي قواعد جمهورية واضحة، هل يمكن لأي شخص أن يضمن أن الزعيم الاشتراكي المستقبلي سيدعم عملية التنازل؟
هذا هو الوقت الذي يتصل فيه راخوي بروبالكابا، حيث يتحدثان من حين لآخر بأمانة ديمقراطية، ويتفقان على العمل معًا بتنسيق مطلق وبسرية تامة.
وكما يشرح راخوي لـ ABC، كان آخر اتفاق كبير للدولة: من الإعلان عن التنازل حتى إعلان تنصيب الملك الجديد، لم يستغرق سوى 17 يومًا.
“الأهم في التنازل هو الطبيعة العادية التي تم بها. لم يحدث أبدًا في القرنين الماضيين عملية خلافة للعرش أن كانت طبيعية مثل تلك.
لم يشعر أحد بالقلق مما قد يحدث. ولم يشعر أحد بأن هناك فراغًا في السلطة وأننا نبدأ مرحلة من عدم اليقين”.
اعتبر رئيس الحكومة السابق أن العملية كانت “مهمة جدًا” لأنها أوضحت أمرين: استقرار النظام السياسي الإسباني وصلابة المؤسسات الدستورية. في الواقع، يضيف راخوي، “كانت هذه العملية انتصارًا لأولئك الذين صاغوا الدستور الإسباني”.
بعد عشر سنوات، يعترف راخوي بأهمية دعم ألفريدو بيريز روبالكابا، ويضعه كنموذج لتقدم إسبانيا عندما تعتمد على التوافقات الكبيرة بين الحزب الشعبي والحزب الاشتراكي: الدخول إلى أوروبا واليورو، والنظام الأساسي للحكم الذاتي باستثناء الكتالوني، والسياسة الخارجية…
لكن السؤال الذي لا مفر منه: “هل كان ذلك ممكنًا مع هذا الحزب الاشتراكي الحالي؟”
يرد راخوي: “لا، بصراحة. يؤلمني قول ذلك، ولكن لا”.
وفي جوهر القرار وبعد عملية تنازل هادئة ومستقرة، يبرز السؤال: هل الوريث مستعد بشكل مناسب لتولي رئاسة الدولة؟
فبالإضافة إلى المهام غير المكتوبة التي يقوم بها الأمير منذ أداء قسم الدستور أمام الكورتيس، كان التكوين المناسب يتوافق مع المهمة المنتظرة منه كولي للعهد.
أكد راخوي أن ” الملك الحالي لإسبانيا مستعد. في سنواته كأمير لأستورياس، تم إعداده لذلك اليوم، رغم أن الفرصة جاءت قبل المتوقع؛ ومع ذلك، وصل الإعلان عندما كان عمره 46 عامًا، ليس مبكرًا جدًا ولا متأخرًا جدًا.”
وفي يوم تنازله، عبر الملك خوان كارلوس عن ذلك بوضوح: “الأمير فيليبي لديه النضج، والتكوين، وحس المسؤولية اللازم لتولي رئاسة الدولة بكامل الضمانات وبدء مرحلة جديدة من الأمل تتحد فيها التجربة المكتسبة وطاقة الجيل الجديد”. كلمات الملك.







