كيف تحولت حركة تحرير إلى حركة انفصال؟ كيف التقت مصالح أنظمة خارجية في رعاية بوليساريو؟ هل لا زالت بوليساريو نفسها غداة انطلاقها أم أن البنية السكانية ذاتها لسكان المخيمات أفرغت من البعد الثقافي والديمغرافي المعتمد لمفهوم السكان الصحراويين؟ كيف فقدت جبهة بوليساريو استقلالية القرار وتحولت إلى مجرد لعبة بيد حكام الجرائر؟
بعد 45 سنة من التيه، و29 سنة من حالة اللاحرب واللاسلم، والضياع في قلب صحراء لا نبت فيها ولا زرع، لم يعد السراب يغذي أوهام جيل من أبناء المخيمات الذين تلقوا تكوينا في جامعات أجنبية، ومع وسائل تكنولوجيا التواصل الاجتماعي أصبحوا يميلون إلى أن يعيشوا زمنهم وفق أحلامهم، وهو غير جيل الآباء من الأميين الذين أسلموا القياد بشكل أعمى لقيادة جبهة بوليساريو، جيل لم تعد تعني له مسكنات “الثورة” و”الكفاح المسلح” و”الشعب الصحراوي” واستعارة واقع الأرض بأسماء مطلقة على مخيمات في أرض أجنبية (مخيم العيون، مخيم الداخلة، مخيم أوسرد…)، أصبح يقارن بين الوضع هنا والوضع هناك، جيل متعطش ليحيى حياته بحرية وبكرامة، لذلك أصبحت الاحتجاجات والانتفاضات قوتا يوميا في مخيمات تندوف حتى في ظل التسلط العام لقيادة الجبهة التي لم يعد ممكنا أن تستمر في المتاجرة على حساب بضعة آلاف من السكان في حقهم في العيش الكريم وبحرية.. هذه التحولات اليوم فرضت مقاربة أخرى هي ما حاولت هنا أن أعالج بقد أكبر من التجرد والحيادية.
أكبر مسمار في نعش جبهة بوليساريو
أكبر مسمار في نعش جبهة بوليساريو يتمثل في إعلاء المغرب من سقف مقترحاته الأممية للخروج من نفق أزمة عمّرت أكثر من اللازم، وكانت على حساب تنمية الوطن وتقدم مؤسساته في الممارسة الديمقراطية وتأهيل الإنسان المغربي ومشاركته السياسية الفاعلة في تسيير أموره، يتعلق الأمر بمبادرة الحكم الذاتي ، التي أعادت الاعتبار لسكان الصحراء وخصائص المنطقة كجزء من المصالحة الوطنية التي دشّنها المغرب وجبر الضرر، تصالح الإنسان والمجال، لقد تم وضع مفهوم تقرير المصير الذي ظل المغرب يطالب به المنتظم الدولي لتصفية الاحتلال الإسباني للصحراء منذ 1964، في سياقه الحقيقي، المتمثل في حق السكان الصحراويين في تسيير شؤونهم بأنفسهم في ظل تصالح تام مع إرث التاريخ وامتداد الجغرافيا، في ظل سيادة مغربية، ولو كانت بوليساريو مستقلة في قرارها، لفهمت بحكم منطق الأشياء ضرورة تغليب الطابع الإنساني لقضية الصحراء، على الحسابات السياسية المتحولة والمصالح الأنانية الضيقة، لأن تقرير المصير لا يعني بالضرورة الانفصال حتى في أدبيات القانون الدولي، إن استحالة تنظيم الاستفتاء من خلال وصول مخطط التسوية إلى الباب المسدود، واعتراف عواصم الدول الكبرى بواقعية وجدية مقترح الحكم الذاتي الذي تقدم به المغرب، وإقرار خبراء الأمم المتحدة من خافيير بيريز ديكويلار إلى فان فالسوم أن انفصال الأقاليم الصحراوية خيار غير واقعي وغير ممكن كحل للصراع بالمنطقة.. كل هذا كان يعني النزيف التدريجي لبوليساريو التي وقفت عند حدود جدار برلين، وكان لنموذج الجهات الانفصالية وحركات التحرر في التجربة الأمريكية أن يكون درسا مفيداً لبوليساريو في الخيارات الديمقراطية للمصالحة الوطنية، حين وضعت أسلحتها واندمجت في شكل أحزاب مشروعة أو منظمات مدنية معارضة، أو حازت نوعاً من التسيير الذاتي في ظل سيادة الدولة الأم، على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.. زد على ذلك التصدي الكبير لدول أوربية ديمقراطية لمطالب الانفصال من داخل أوطانها، كما هو شأن إسبانيا التي تجد نفسها في وضع ميلودرامي بين دعم الانفصال خارج دائرة حدودها في مستعمراتها القديمة ورفضه في حدود وطنها!
لقد أضحى التوجه نحو المستقبل، والتفكير في الوجه الإنساني لقضية الصحراء أمراً ملحا على جميع أطراف النزاع، علينا أن نفهم جيدا نداء “الوطن غفور رحيم” والنظرة الأخوية المشوبة بطعم المصالحة الضرورية التي قدم بها رئيس المجلس الاستشاري للشؤون الصحراوية كوركاس عرضه لزعيم بوليساريو الراحل لطي صفحة الماضي، معتبراً أن الإسلام يجبُّ ما قبله، وأنه مستعد لمساعدته على تولي رئاسة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.
وهو الخيار نفسه الذي كان النائب الإسباني السابق في البرلمان الأوروبي أبيولس قد قدمه، وهو يستحضر التجربة الأمريكو لاتينية، حين اقترح أن تلغي بوليساريو الخيار المسلح وتلتحق بالصحراء بمقتضى مفاوضات مع المملكة المغربية لاستعادة الثقة وتحولها إلى قوة سياسية مندمجة في الحياة السياسية داخل الشرعية المغربية.
ولننصت لتصريحات منصف المرزوقي الرئيس التونسي السابق في حوار له مع جريدة “القدس العربي” وهو يعبر عن مجموع طموح الوحدويين في المغرب الكبير باستثناء النخبة العسكرية الحاكمة، وهو يقول دون الحاجة إلى أن يدير لسانه في فمه سبع مرات كما يفعل الدبلوماسيون والسياسيون العرب عادة: “كلما تقدمنا وَوُجد حل معقول للمشكل الصحراوي في إطار الحكم الذاتي داخل المغرب واتحاد مغاربي كبير إلا تقوم قوى معينة بنوع من الضربات الإرهابية لمنع ذلك. والناس التي تتحمل مسؤولية إفشال المشروع المغاربي هي التي تقف وراء عمليات بوليساريو الأخيرة التي لا هدف من ورائها إلا منع أي تقارب أو تحقيق للحلم المغاربي. وأنا لدي أمل في أن التغيير الذي سيحصل في الجزائر بتغيير القيادات وبالحراك وبالديمقراطية سيأتي بجيل جديد من الحكام تكون لهم الشجاعة والوطنية ليفهموا أن هذه السياسة التي ضيعت علينا أربعين عاماً يجب أن تنتهي وينبغي علينا اليوم أن ندخل في عملية إيجابية للتقارب بين الشعوب”. ويضيف في ذات الحوار: “لا يمكن أن نضحي بمستقبل مائة مليون مغاربي لأجل مائتي ألف صحراوي في حين إن هؤلاء يجدون أنفسهم معززين ومكرمين داخل اتحاد مغاربي وضمن الحكم الذاتي في الدولة المغربية. نحن نريد توحيد الدول ولا نريد إعادة التقسيم. لأنه إن قبلنا بذلك فما الذي سيمنع غداً من المطالبة بتقسيم الجزائر أو تونس؟ لقد كنا للأسف الشديد رهائن لدى مجموعة في النظام الذي ثار ضده الشعب الجزائري. وأملي الكبير في أن الجيل الجديد من الحكام الجزائريين الذي سيأتي به الحراك والديمقراطية هو من سيسعى إلى إنهاء هذه المشكلة وأن نبني اتحاد المغرب الكبير الذي لن يكون ببوليساريو وبتقسيم المغرب. هناك حل وهو الحكم الذاتي داخل المغرب ثم بناء اتحاد مغاربي أوسع يضم الصحراويين وباقي مكونات الشعوب المغاربية.”
في الإشكاليات القانونية التي ترتدي أبعادا سياسية، إذا تعارض تقرير المصير ومفهوم وحدة الدولة، فإن الأسبقية تعطى للوحدة، كي لا يصبح ذلك المفهوم مدعاة لتشجيع الانفصال وتمزيق وحدة الدول، ينضاف إلى ذلك أن أشكال التعبير عنه لا تخضع لمعايير واحدة، وإنما لأشكال تتماشى وطبيعة النزاعات الإقليمية والخلفيات التاريخية والقانونية، وإلا كان من حق منظمة الباسك الإسبانية أن تقرر مصيرها عبر الانفصال عن إسبانيا، مادامت تجاهر بذلك وحملت السلاح من أجله، كذلك يصبح من حق أي تنظيم مسلح يمارس العصيان أن يطالب بتقرير المصير لأنه على خلاف مع السلطة المركزية.. وقد رأى العالم الطريقة العنيفة التي واجهت بها القوات العمومية الإسبانية منظمي الاستفتاء حول انفصال إقليم كطالونيا عن المملكة الإسبانية، لقد توقفت دولة حقوق الإنسان لبرهة، ضد قرار سيادة الدولة على أراضيها!







