التلميذة التي أنهت حياتها بشكل مأساوي بمدينة أسفي لمجرد ضبط هاتف نقال بحوزتها ليست حالة معزولة، بل سبق وأن عاينا وقائع مماثلة، كشفت حجم الضغط النفسي، الرهيب، الذي يقع على آلاف التلاميذ للحصول على شهادة بكالوريا يتم التسويق لها على أنها عصا سحرية للمستقبل في بلد يُنتج ملايين العاطلين.
الرسالة التي تركتها التلميذة قبل أن ترحل عن هذا العالم بكل ما فيه من ظلم كبير، هي طرق في جدران الخزان لإعادة النظر في هذه المنظومة التعليمية التي نصرف عليها مئات الملايير، لنحصل على المراتب الأخيرة في جميع التصنيفات الدولية.
منظومتنا التعليمية فاشلة، وقديمة، ولن تقوم لها قائمة، سواء في التعليم العمومي الذي تم حقنه بجميع الأعطاب ليصبح كسيحا، ومُشوها عن سبق إصرار وترصد، أو بالمدارس الخاصة التي تسرق من الصغار طُفولتهم، وطاقتهم، وتتعامل معهم كدجاج رومي في الحظيرة، لتسلب من أسرهم المال نهاية كل شهر مقابل وهم الجودة.
وهم يبحث عنه البعض في البعثات، وفي مدارس تشترط اجتياز اختبار كفاءة لطفل في الخامسة من عمره باستنطاق بوليسي، هذا في وقت يتعلم أقرانه باللعب في دول تفوقنا بسنوات ضوئية في جودة التعليم المجاني، كفلندا والنرويج وألمانيا.
ما يحدث في حق أبناء المغاربة بالمدارس، وبمناسبة الامتحانات جريمة متكاملة الأركان، تهدم شخصية الملايين، وتتسبب في عاهات نفسية عصية على العلاج، وتُحرض على الهدر، مادام الامتحان المغربي تجاوز فلسفة إبراز الطاقات إلى عصرها، وتحويلها لماكينات.
ما يحدث بالتعليم المغربي جريمة تتجاوز حق التلاميذ في التربية قبل التعليم، إلى هدر مئات الملايير من المال العام في وصفات تنجح في شيء واحد فقط… هو تسمين أرصدة “الشفارة” الذين تناوبوا على تسيير القطاع، والذين فتح لهم السي بنموسى الباب مشرعا من خلال المدرسة الرائدة ليسرقوا المزيد ولنا عودة لهذا الملف بالتفاصيل.
العقوبات الصارمة التي تُشهرها وزارة التربية الوطنية في وجه مرشحي البكالوريا بدل تفعليها في حق اللصوص الذي يعششون في مصالحها، تكشف حقيقة صادمة، وهي أن ثقافة الغش ترسخت وتجذرت، وأنتجت أجيالا جديدة ترى بأن الغش أصبح عُرفا سائدا، و حقا مكتسبا لا يمكن المساس به.
هذه الثقافة الخطيرة التي أصبح لها أتباع كُثر، وجدت أرضا خصبة لأن السياسات العمومية في المغرب لم تعمل على تكريس المساواة، وتكافؤ الفرص بناءا على الشواهد والاستحقاق، بل فتحت الأبواب مشرعة أمام من له “كالة” أو لقب عائلي يشفع له، وهو ما جعل المجتمع يستسلم لأمثال، وحكم مسمومة تحرض على اختصار المسافة، وتُجشع على التدليس والغش الذي زحف على جميع مناحي الحياة من تجارة وسياسة، بل وامتد إلى الكثير من معاملاتنا اليومية في الشارع.
لقد سبق للمصالح الأمنية ووزارة التربية الوطنية أن جربا القبضة الحديدية في التعامل مع امتحانات البكالوريا، لكن ذلك لم يكن فعالا، بعد أن عاينا انتشار فيروس التسريب والغش الذي اتضح أنه أصبح يتمتع بمناعة قوية، وحاضنة مجتمعية.
الغش ليس محصورا في “الحروزة” التي يتسلح بها التلاميذ، بل هو موجود في الصفقات العمومية، وفي الانتخابات، وفي وعود الوزراء، وفي المصحات والمشاريع العقارية، وفي المواد الاستهلاكية، وفي الإدارة، وخطابات الساسة والأحزاب والمؤسسات، ما يعني انه أصبح منظومة قائمة الذات تتعايش جنبا إلى جنب مع الفساد المستشري.
مستويات الغش الخطيرة التي وصلنا إليها لا ينبغي أن تُختزل وبشكل موسمي في امتحانات الباكالوريا، بل يتعين أن ينُظر إليها بشكل هرمي، لأن الاستمرار في تزكية نخب فاسدة في مناصب المسؤولية، واستمرار نهب المال العام دون محاسبة، سيخلق أجيال جديدة بدون قيم، أو وازع أخلاقي، أجيال تحمل جينات الانتهازية، و تسعى لنيل حصتها من الغنيمة، وتؤمن بـ”الهوتة”، كنسخة منقحة للمثل المسموم “الله يجعل الغفلة بين البايع والشاري..”
تلميذة آسفي هي مجرد ضحية لنا كمجتمع.. ودولة.
ضحايا “المدرسة الراكدة”







