كل المشاريع تبدأ صغيرة، وتنمو وتتقوى مع مرور الوقت. الا مشاريع الوهم تبدأ في مخيال صانعيها كبيرة حالمة مسيطرة، يقضمها فجر الحقيقة وتجلي الواقع. ذلك ما ينطبق بالضبط على سردية الجزائر وثابت عقيدتها السياسية والعسكرية اتجاه المغرب. إذ لا يختلف اثنان على أن وهم خلق دولة جنوب المغرب باسم كبير يجمع حماقة الديمقراطية الشعبية القذافية بالقومية المتهورة الناصرية تحت سلطة العقدة الصحراوية البومدنية، جمهورية قامت في ثنايا مطبات الشعارات التي طبعت سبعينيات القرن العشرين، المتسمة بخطاب اشتراكي شارد غذته الحرب الباردة، ومصالح القوى الدولية ونزعات شخصية أكثر منها تخطيطات واستراتيجيات دول، كما حصل في ليبيا ومصر وكوبا وغيرهم ممن اعتقدوا ان عظمة دولة المغرب الأقصى قد ولت إلى غير رجعة.
ولأن الخيال لا سلطة عليه والوهم لاعقل له، تفتقت عبقرية الإخوة الجزائريين فأسسوا جمهورية غير جمهورية الجزائر فوق (تراب جزائري)- وصنعوا لها علما وحكومة وإدارة وأنفقوا عليها من عائدات طفرة بترولية وغازية على حساب حق الشعب الجزائري، الذي لم يعرف مفهوم الدولة الوطنية قط، فمن المرابطين والموحدين إلى زمن العثمانيين والفرنسيين، لم يتذوق الشعب الجزائري في تاريخه طعم الدولة الوطنية. صنعوا جمهورية في مخيالهم وجلبوا لها بنايات عبارة عن عمارات شاهقة وأحياء إدارية ومرافق اجتماعية، كل ذلك من بقايا الخيام التي حارب بها الاتحاد السوفياتي في أوربا الشرقية. خيام وزعت في فيافي تندوف وأطلقت عليها أسماء المدن المغربية. وهكذا أصبح إعلام الوهم يقول مدينة السمارة ومدينة العيون والداخلة واوسرد وغيرها من أسماء مدن مغربية كانت تعرف في ذلك الوقت ودون كثير ضجيج نهضة عمرانية وإنسانية وتنموية يشارك فيها أبناء أقاليم الجهات الجنوبية للمملكة المغربية.
بعد دولة الخيام، تفتقت عبقرية الجزائر وصنعت الوزارات والدواوين والسفارات والمؤسسات وجلبت لها أطرا مؤهلة من الكوادر الطامعة والهاربة من القانون من موريتانيا ومالي والتشاد وبعض أبناء الصحراء المغربية الذين أغراهم حلم ووهم الانفصال.
هكذا ستسمر أسطورة الوهم في خلق المزيد من الأكاذيب.
غير أن التحولات السياسية التي سيعرفها العالم وانهيار الأطروحات الانفصالية وفشل كل تجارب تقسيم الدول، وثبات موقف المغرب الذي لم ينجر لسردية الجزائر في معالجة مشكل من بقايا الاستعمار والحرب الباردة، كل ذلك أربك الحساب وأسقط الأطروحة وعرى الحقيقة.
بداية القرن الواحد العشرون ستعرف تحولا استراتيجيا في تعاطي المغرب مع ملف وحدته الترابية، فعلى مستوى الداخل سينهج الملك محمد السادس مقاربة تنموية جذرية تقوم على تأهيل الأرض والإنسان. ربع قرن من الاشتغال الجاد واليومي والاستراتيجي، ستحول أقاليم الجنوب المغربي إلى مدن ووجهات اقتصادية وسياحية تضاهي مدن العالم وتتفوق على مدن دول المنطقة قاطبة، هذا التحول التنموي وهذا الاهتمام الملكي بالعنصر البشري سيواكبه تحول في ميكانزمات الترافع الدولي حول حقيقة الأشياء.
ستتطور المقاربة من بعدها التاريخي الصرف إلى مقاربات تاريخية أمنية اقتصادية قانونية، أقنعت العالم بحقيقة الأشياء ومعه سيأتي التحول الدولي الذي ترجمته سلسلة اعترافات الدول الإفريقية والدول الكبرى بجدية ومصداقية وواقعية المقاربة المغربية.
ولأن الوهم هو الوسم المميز لأطروحة الجزائر، ستعمل الجزائر على تهريب المفاهيم والأحداث بعد أن بدأت نخبة في الجزائر تنتبه إلى حجم الورطة التي سقطت فيها الآلة العسكرية الجزائرية.
استفاق الجزائريون على ورطة وجود ميليشيات مرتزقة مسلحة تنشط فوق ترابها، وعلى وجود عدد كبير من الناس من موريتانيا ومالي والتشاد وبوركينافاسو على ترابهم، وبدأت التساؤلات تحل محل الخيالات: ما مصير هؤلاء المسلحين، وألا يشكلون خطرا وتهديدا داخليا على سلامة الجزائريين؟
ماذا لو تشتت هؤلاء المسلحون والتحقوا بجبال الجزائر وأعادو تنظيم علاقاتهم بالعرب الأفغان الذين ذهبوا من الجزائر وعادوا ليستوطنوا الجبال؟
هذه التحولات ستفرض على من يدبر ملف البوليزاريو من جنرالات الجزائر إعادة ترميم السردية من منظور الوهم إلى منظور التهريب.
تهريب قيادات البوليزاريو إلى الخارج عبر إقناعهم بأن وجودهم خارج الجزائر يخدم المشروع الوهمي أكثر من وجودهم في تندوف، تهريب الأطفال إلى كوبا وإسبانيا وغيرها بمبرر تدريبهم وتأهيلهم والحقيقة أنه يتاجر بهم تقارير المنظمات الإنسانية شاهدة على ذلك، وهذا الأمر لابد أن يعرض بعد انجلاء الحقيقة على المحاكم الدولية. تهريب المساعدات الإنسانية عبر إعادة بيعها خصوصا للمنظمات الإرهابية التي تنشط في الساحل والصحراء.
هكذا سيصبح مفهوم التهريب أحد مميزات تعاطي الجزائر مع الوهم، ليستفيق العالم على نوع جديد من الدول: “دولة المحفظة” وهي دولة لا تحتاج لجواز سفر، فيكفي أن تكتري أو تشتري جواز سفر جزائري. وهي دولة لا تحتاج إلى وثائق اعتماد إذ تكفي يافطة مطبوعة على ورق مقوى مطوية بعناية داخل الحقيقة الدبلووهمية، وهي لا تحتاج إلى جمارك وبروتوكول فيكفي التسلل خلسة كسارق الليل، وأن تجلس في مكان قصي ثم تخرج دولتك من المحفظة وتدفعها بهدوء وحذر فوق الطاولة.
الدولة المحفظة لا تحتاج الى اعتراف فيكفي وبشكل أساسي إلى مصور هاو يأخذ بعض الصور لتوزيعها في مخيمات الوهم على أنها دليل انتصار دبلوماسي.
وعلاقة الجزائر بالمحافظ الجلدية ليست وليدة مؤتمر دول إفريقيا واليابان، عودوا إلى حوار وزير الخارجية التونسي الأسبق مع قناة أواصر تيفي حيث يؤدي شهادة للتاريخ أنه رأى بأم عينه وهو وزيرا للخارجية كيف كانت الجزائر تأتي بمحافظ مملوءة بالمال لشراء مواقف شخصيات إفريقية في المؤتمرات. فالمحفظة ثابت آخر في سردية الجزائر، غير أنه في عالم اليوم وبعد أن بددت أموال الجزائريين في وهم خلق دولة سادسة بالمنطقة لم تعد المحافظ مملوءة بالأموال، لقد عوضت الأحوال ذلك بيافطات مطبوعة في “السيبير” على عجل.
إن ما يثير الانتباه في قصة المحفظة ليس الحدث في حد ذاته، ولكن المثير هو التحول العميق الذي أصاب العقل الوهمي، وكيف تعبر الجزائر عن هزيمتها في هذا الملف وعن مستقبل وملامح تعاملها مع ورطة تسليح البوليزاريو فوق تراب الجزائريين.
الجزائر ومعها مستخدموها في الملف تعرف وتعي حجم التحول الذي عرفته قضية الصحراء المغربية، خصوصا مع الاعتراف الإسباني والأمريكي والفرنسي وقريبا مع الاعتراف البريطاني.
الجزائر تعرف أن ما قاله جلالة الملك في 2016 من قلب أيقونة الصحراء، مدينة العيون، كوننا دخلنا مرحلة الحسم النهائي لهذا الملف، حقيقة ميدانية وليست شعارات سياسية، وهي حقيقة مشاهدة للخاص والعام.
الجزائر تعرف أن المرحلة القادمة في تدبير الملف هي مرحلة الدخول لتفاصيل تنزيل الحكم الذاتي، وأن مرحلة الأبنية الكبرى قد أوشكت على نهايتها، وأن المصالحة الكبرى مع من لم يحمل السلاح في وجه الوطن قريبة جدا.
الجزائر تعرف جيدا أن محمد السادس لم يرق دما في الصحراء وأن حادثة الكركارات وكيف دبرها المغرب نموذج بسيط لمقاربة المغرب لوحدته الترابية، ولتعاطيه مع مواطنيه ولو كانوا تحت وهم الانفصال.
الجزائر تعرف جيدا أن عصر الشعارات قد ولى مع هتلر وعبد الناصر والقذافي وأمثالهم، لذلك استعاضت بعصر اليافطات المهربة إلى قاعات الاجتماع.
الجزائر تعرف أن مرحلة ما بعد البوليزاريو بدأت، وأن المغرب ليس بتلك الدولة التي سكنت خيال بومدين، لذلك وهذا اعتقادي بدأت (الجزائر) الاشتغال بشعار “عضة من الفكرون”.
رئيس مؤسسة “مغرب الجهات”، محلل سياسي وباحث في علوم الإعلام و الذكاء الاصطناعي







