بعد عدة أشهر من المفاوضات والتأجيلات، جاء القرار في فاتح غشت الماضي : التحالف الذي يضم شركة “إيجيس” الفرنسية، وشركة “سيسترا” الفرنسية أيضًا، وشركة “نوفاك” المغربية، فاز بعقد إدارة مشروع البنية التحتية للخط السريع بين القنيطرة ومراكش.
تم إطلاق هذا المشروع من قبل المكتب الوطني للسكك الحديدية، وتقدر قيمته بنحو 1,4 مليار درهم (130 مليون يورو).
وقد كان هذا العقد محط أنظار العديد من الشركات الكبرى، وفي مقدمتها الشركة الإسبانية “إينيكو”، التي كانت تُعتبر الفائزة المحتملة نظرًا لعروضها المالية الأكثر تنافسية مقارنة بعرض “إيجيس”.
على الرغم من أن العقد قد يبدو عاديًا في الظاهر، إلا أنه يعكس المنافسة الشديدة بين باريس ومدريد حول مشاريع البنية التحتية في المغرب.
فقد أبدت الصحافة الإسبانية دهشتها، حيث أشارت جريدة “سينكو دياس” الاقتصادية الإسبانية إلى أن “المغرب يختار شركة فرنسية لتوسيع خط السكك الحديدية السريع، على الرغم من العرض الأفضل الذي قدمته الشركة الإسبانية إينيكو”.
كما قالت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية إن “التنازل لصالح الشركة الفرنسية جاء بعد أيام قليلة من اعتراف إيمانويل ماكرون في رسالة إلى محمد السادس بسيادة المغرب على الصحراء”.
شراكة رابح / رابح
بعد سنتين من التوتر الدبلوماسي، قررت فرنسا في عهد إيمانويل ماكرون دعم خطة الحكم الذاتي المغربية، التي تعتبرها الآن “الأساس الوحيد للتوصل إلى حل سياسي” للنزاع في الصحراء.
وقد أعلن محمد السادس بوضوح في خطاب ألقاه في غشت من عام 2022 أن “ملف الصحراء هو المنظار الذي من خلاله ينظر المغرب إلى بيئته الدولية.. وهو أيضًا المعيار الذي يقيس من خلاله صدق الصداقات ونجاعة الشراكات التي يقيمها”.
فهمت إسبانيا، الشريك التجاري الأول للمغرب، هذه الرسالة. وفي مارس 2022، وجه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك المغربي أكد فيها أن “إسبانيا تعتبر مبادرة الحكم الذاتي المغربية، المقدمة في عام 2007، الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع”. وقد أدى هذا التحول التاريخي إلى فتح الباب لتفاهم غير مسبوق بين مدريد والرباط.
كان تفاهما سياسيا ودبلوماسيا ولكن أيضًا اقتصاديا. فقد أعلنت الدولتان عن التزامهما بتعزيز التبادل التجاري والاستثمارات لتنفيذ مشاريع تنمية مشتركة في إطار شراكة رابح/ رابح، مستفيدتين من ميثاق الاستثمار الجديد الذي أقره المغرب مؤخرًا، وفقًا لبيان مشترك صدر عقب اجتماع عُقد في 2023 برئاسة رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش ونظيره الإسباني.
فرنسا فقدت موقعها ثم استعادته
إذا كانت إسبانيا تخطط لاستثمارات بقيمة 45 مليار درهم في المغرب بحلول عام 2050، وفقًا لبيدرو سانشيز، فإنها تتطلع أيضًا إلى الحصول على بعض الأسواق المغربية لصالح شركاتها.
بدءًا من المشاريع التي يخطط لها المكتب الوطني للسكك الحديدية ضمن خطة “قطارات المغرب”، التي تهدف إلى ربط 87% من السكان بالسكك الحديدية بحلول عام 2040 (مقارنة بـ 51% حاليًا).
وتخصص هذه الاستراتيجية ميزانية قدرها 375 مليار درهم (35 مليار يورو)، ويهدف المكتب إلى خدمة 43 مدينة في غضون خمسة عشر عامًا (مقارنة بـ 23 حاليًا) عن طريق تمديد الشبكة بخطوط عالية السرعة لربط جميع مراكز المملكة.
“المغرب وإسبانيا أسسا سلسلة قيمة إقليمية من بين الأكثر تنافسية في صناعة السيارات، ولهذا السبب، وبفضل قربهما الجغرافي وخبرة إسبانيا في المجال السككي، من المحتمل أن تكون سلسلة القيمة التالية التي سيطورانها معًا مرتبطة بالقطارات”، قالت هدى بنغازي، المديرة العامة لمعهد الأسرة المغربية، والمديرة العامة السابقة للمجلس الاقتصادي المغربي-الإسباني، في أكتوبر الماضي.
“فرنسا فقدت موقعها أمام إسبانيا خلال الأزمة الدبلوماسية مع المملكة. الآن، ومع عودة العلاقات مع باريس، عادت الأمور إلى نصابها”، قال مصدر مطلع على الملف لمجلة “جون أفريك”.
وإذا كانت الشركات الإسبانية “تالغو” و”CAF” تتطلعان إلى هذه الأسواق المربحة، فإن منافستها الفرنسية “ألستوم” باتت لديها أيضًا فرص كبيرة.
ويتنافس العمالقة الثلاثة حاليًا للفوز بعقد بقيمة 1,6 مليار يورو لتوريد 168 قطارًا، منها 18 قطارًا عالي السرعة، إلى المكتب الوطني للسكك الحديدية.
وتدخل في هذه المنافسة أيضًا شركات دولية أخرى مثل الشركة الصينية “CRRC” والكورية “هيونداي روتيم”.
“تأمل إسبانيا في الاستفادة من تنظيمها لكأس العالم 2030 إلى جانب المغرب والبرتغال للحصول على بعض الأسواق”، وفقًا لمصدر إسباني مطلع.
الصحراء.. ساحة منافسة جديدة
لا يقتصر التنافس بين الجارتين الأوروبيتين على صناعة السكك الحديدية. فالمغرب، الذي يعاني من نقص مائي غير مسبوق، يسعى لضمان إمداداته من المياه من خلال مشاريع تحلية المياه.
وهنا أيضًا، ستتنافس الشركتان الإسبانيتان “أبينغوا” و”أكسونا” مع الشركتين الفرنسيتين “إنجي” و”سويز” لتنفيذ حوالي عشر محطات ضمن الاستراتيجية الحكومية بحلول عام 2030.
وفي عام 2023، تم اختيار تحالف تقوده الشركة الإسبانية “أكسونا”، إلى جانب شركة “Green of Africa” وشركة “أفريقيا غاز” لعزيز أخنوش، لتنفيذ محطة تحلية المياه في الدار البيضاء، والتي تعد الأكبر في إفريقيا، على حساب الشركة الفرنسية “سويز” والشركة المغربية “ناريفا”.
وفي الداخلة بالصحراء، حصلت الشركة الفرنسية العملاقة “إنجي”، جنبًا إلى جنب مع مجموعة “ناريفا”، على عقد بقيمة ملياري درهم لبناء محطة تحلية مياه لتزويد المياه الصالحة للشرب والري.
“إنها أول محطة تحلية تعمل بتقنية التناضح العكسي تكون خضراء بالكامل، حيث يتم تزويدها بالطاقة من حديقة رياح تم بناؤها خصيصًا للتحلية”، كما صرح لذات المجلة مؤخرًا مصدر موثوق داخل “ناريفا”.
بالإضافة إلى ذلك، يشتد التنافس بين الشركات الفرنسية والإسبانية أيضًا في الصحراء. “مواصلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لهذه المنطقة أمر ضروري. أحيي جميع الجهود التي يبذلها المغرب في هذا الصدد. سترافق فرنسا المغرب في هذه المسيرة لصالح السكان المحليين”، هكذا تعهد إيمانويل ماكرون في رسالته إلى محمد السادس في يوليوز.
وقبل أي تغيير في الموقف الفرنسي، أعطى الإليزيه الضوء الأخضر لتمويل المشاريع المغربية في الصحراء، لا سيما من خلال الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD) وفرعها “بروبرو”.
(عن “جون أفريك”)







