بالإضافة إلى عبقريته الغنائية، كان موسيقار الأجيال يملك حسا فكاهيا رفيعا، كما تشهد بذلك مقابلاته التلفزيونية. في إحداها سألته المذيعة بجدية: أستاذ محمد عبد الوهاب أنت تخاف من الطائرة؟ فأجابتها بنبرة طريفة: “أنا بموت من الطيارة، لو شفت طيارة ما نامش طول الليل”… وحين لفتت انتباهه إلى أن الإحصائيات تفيد أن الطائرة أكثر وسائل النقل أمانا وأقلها حوادث، رد عليها ساخرا: سأسألك سؤالا لو أجبتني عنه أركبها من الغد… تصوري أنك في السماء، على ارتفاع ثلاثين ألف قدم، فجأة، لسبب أو لآخر، إضطر السائق للتوقف، هل سيركن الطائرة على الشمال أم على اليمين، كما هو الحال مع السيارة؟ قاطعته المذيعة ضاحكة: أستاذ عبد الوهاب ليس هناك شيء اسمه رَكْنُ الطائرة… فردّ عليها: بلى، سيركنها في الآخرة!
الحقيقة أن صاحب “يا مسافر وحدك”، ليس وحده من تسكنه تلك الهواجس. فكرة الطيران في حدّ ذاتها مرعبة، وكثير من الأشخاص يعلنون توبتهم بمجرد ما يأخذون مكانهم في الطائرة. يتحولون إلى مؤمنين خاشعين، يرتلون القرآن والشهادتين، ويتعهدون بأن يقلعوا عن كل المعاصي لو عادوا إلى الأرض سالمين، قبل أن يسلموا أمرهم إلى خالق السماوات، لأنهم يخشون أن يواصلوا رحلتهم في اتجاه السماء السابعة، دون سابق ترتيب، كما حدث لكثير ممن صعدوا إلى الطائرة ولم ينزلوا أبدا…
لكن بمجرد ما تردد المضيفة: “سيداتي وسادتي لقد نزلنا بحمد الله إلى المطار الفلاني”، يتبدّد “الإيمان”، ويشرع “المتخشعون” في التسابق على سحب الأمتعة والتدافع للخروج قبل الآخرين، مستعيدين هواية “جمع الذنوب” التي أقسموا أن يتخلوا عنها عندما كانوا معلقين بين السماء والأرض. سمي الإنسان إنسانا لأنه ينسى!
كلما ركبتُ الطائرة أحسّ بمغص في البطن، لكنني لا أملك شجاعة ملحّن “من غير ليه” كي أحسم أمري وأستعمل وسائل نقل أخرى، أفضّل ساعات قليلة من الرعب على أيام من التعب بين القطارات والبواخر، وكم أغبط الذين تمكنوا من الإبتعاد عن بدعة الطائرة، ومنهم الكاتب فواد العروي الذي سمعته يوما يتحدث عن طلاقه البائن مع الطائرات التي لا يركبها أبدا، ولعل للأمر علاقة بالمظلي الذي سقط قرب بيته في الثمانينيات وكتب عنه روايته الجميلة: “احذروا من المظليين”!
يبدأ الرعب عندما تشرع المضيفة في تلاوة تعليمات السلامة. تتحدث بعفوية عن الكوارث المحتملة دون أن تشير إليها صراحة، تضع على وجهها “قناع الأوكسجين” الذي يجب على الركاب استعماله بذات الطريقة “اذا دعت الضرورة إلى ذلك”… “تسقط تلقائيا أحزمة السلامة” و”يضيء ممر الخروج”… “الخروج إلى أين”؟… إذا “سقط القناع تلقائيا” أو اضطررت “لوضع الحزام”… معناه أنك ستغرق في البحر، ستأكلك الحيتان. يستحسن أن تغمض عينيك وتقرأ القرآن!
وتبقى أكثر الأسفار إثارة للذعر، بالنسبة لمن يعانون “فوبيا التحليق”، هي الرحلات الداخلية التي تؤمنها طائرات صغيرة تحلّق على علو منخفض، ولا تكف عن التململ بعنف، كأنها “طوبيس” معلق في الهواء، وعليك أن تمسك بأي شيء كي لا تصاب بالدوخة، في انتظار النزول أو الصعود بغير رجعة.
الحقيقة أن الطائرة كانت تخيف عددا أكبر من الناس عندما كانت أسعارها في السماء. وقتها كان معظم المهاجرين في الخارج يعودون الى البلاد بالسيارة او الحافلة، ولعل من سوء حظ الطلاب المغاربة اليوم أنهم لم يجربوا تلك الرحلات “التاريخية” على متن حافلات طريفة مع ركاب أطرف يسمون “الزماكرية”. ينطلق “الكار” من أحد “الكاراجات” في أنيير أو جونفيليي باتجاه وجدة أو الناضور عبر اسبانيا. عادة ما يلتقي الركاب باكرا في “الكاراج” ويكدسون حقائبهم في الحافلة، قبل أن يركبوا وفي أيديهم أكياس معبأة بالأكل، محزمين بطونهم بتلك “الموزة” الشهيرة حيث يضعون الأوراق والبطائق والنقود، لتنطلق رحلة تستغرق ثلاثة أيام. كأنك رهن الاعتقال. كي لا تموت من الضجر، تجرب أن تملأ الساعات بالقراءة والموسيقى والنوم والأكل والثرثرة مع الجار… ولا تصل. عندما تفقد الرجاء تماما، تبدو لك “الجزيرة الخضراء” أو “طريفة”، وتعرف أن الأسوأ صار وراءك، قبل أن تركب الباخرة في اتجاه طنجة أو سبتة وسط زحامات لا تنتهي…
بخلاف الحافلة والقطار والسيارة والباخرة، الطائرة اختراع مخيف رغم أنها تختصر المسافات. الجميع يردد أنها أكثر وسائل النقل أمانا في العالم، لكن “الأمان” شيء و”الطمأنينة” شيء آخر. تجلس في مقعد وتشاهد نفسك وأنت ترتفع أميالا محترمة في السماء، على امتداد كيلمترات طويلة. السيارة والقطار و”الكار” وحتى الحمار… أكثر طمأنينة لأنها ملتصقة بالأرض، أما الطائرة فتصعد إلى أعلى، هناك حيث توجد “الجنة” و”جهنم” وحيث سنذهب جميعا بلا رجوع. الخوف يوجد في السماء ونحن نصعد نحوه. أحاول أن أتخيل اللحظات الأخيرة لركاب طائرة تسقط وأحس بالهلع. الخبراء يقولون إن الركاب يموتون بالسكتة القلبية في معظم الكوارث الجوية، بسبب سرعة السقوط أو نفاذ الأوكسجين، قبل أن تتفرق أشلاؤهم شذر مذر…
كم كان الشاعر بليغا حين قال:
“مالي يانا، الطيارة دارتها بيّا”!
“الطيّارة دارتها بيّا”







