ما جرى هذه الأيام من “هبة” غريبة وغير مسبوقة لعدد من القاصرين والشباب نحو الفنيدق هو وصمة عار على الحكومة والأحزاب السياسية أغلبية ومعارضة، وهو عنوان عريض على فشل ذريع لمن تداولوا على تدبير الشأن العام. فبغض النظر عما إذا كانت رغبة هؤلاء القاصرين والشباب في الهجرة تمليها فعلا ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة، أم مجرد مغامرة و”زعامة” من أجل ركوب المجهول، فإن ما حدث ويحدث يؤكد بما لا يدع مجالا للشك فشل السياسة والأحزاب والمنتخبين في هذه البلاد.
في الوقت الذي كانت الإشاعة تنتشر بقوة في وسائط التواصل الاجتماعي، وكانت السلطات العمومية تسابق الزمن لإجهاض مخطط محفوف بالمخاطر.. كانت الأحزاب “تتناقر” فيما بينها.. تارة يرمي بنكيران وزير العدل بـ”الفساد” ورئيس الحكومة بـ”Voleur”.. وتارة يرد هؤلاء بوصف بنكيران بـ”الفاسق” كما فعل وهبي..
في عز هذه الأزمة، التي استنفرت مختلف المصالح الأمنية في البلاد، كان “التراكتور” يتصارع من أجل الهكتارات وصفقات أثريائه، وكأن تحديات هذا البلد والأوراش الكبرى المفتوحة من طنجة إلى الكويرة، لها من الوقت ما يكفي لتنتظر توصل “تجار البام” إلى اتفاق حول أراضيهم وعقاراتهم، ليهتموا بتأطير المواطنين وبث الثقة في العمل السياسي..
في عز هاته الأزمة، أيضا، كان أخنوش وحواريوه في أكادير يلقون على أنفسهم الورود ويوزعون فيما بينهم “شهادات حسن السيرة والسلوك السياسية”، ويحتفون بـ”الشيكات على بياض” التي سلمها الشعب لهم، ويحذرون من المغرضين.. وكأن أولئك “الشباب الهاربين” كانوا ينوون “الحريكً” من جزر “الوقواق”…
في حمأة “الهروب الجماعي” لمئات الشباب، الحالمين بحياة أكرم وغد أفضل، وفي ظل استئساد اللوبيات واستفرادها بالشعب، و”جعرة الأسعار” بفعل “الشناقة الأشرار”، كان شباب “الأحرار” يتمايلون على صخب أغنية “مهبول أنا”، ببساطة لأن “لوطوروت” التي شدوا الرحال فوق بساطها لا تشبه في شيء الطرقات الوعرة التي يضطر المغاربة “العزل” إلى خوض غمارها.. طرق الغلاء والبطالة والجوع وقلة الحيلة، أما طريق “الهبال” التي ارتضاها السياسيون كحزب أخنوش، فهي لا شك تقود إلى شبع “الكروش” وغناء “الرؤوس”!!
ما يجري اليوم هو نتاج سنين طويلة من التنكيل بالسياسة في هذا البلد، حتى صار لدينا حكومة ومنتخبون من هاته الطينة، وما وقع من عزوف تاريخي، ربما الأسوأ في العالم، بدائرة الرباط-المحيط خير دليل على ذلك.
إن الحكومة ومعها الأحزاب والنقابات، بالشكل الذي أصبحت عليه اليوم، من بين أهم أسباب “الكفر بالسياسة والسياسيين”، ووحدها كافية لاتخاذ قرار لا رجعة فيه بالهروب من بلد أصبح فيه أمثال هؤلاء قدر هذا الشعب، يدبرون شؤونه ويحددون مصيره..
وبينما كان مأمولا أن تستحي قليلا “على عرضها” هاته الأحزاب وتتواصل مع هؤلاء الشباب وتدحض الإشاعة وتبث في نفوسهم جرعة أمل في مغرب له من الإمكانيات ما يكفي ليحتضن جميع أبنائه ويوفر لهم العيش الكريم.. له كل الإمكانيات لينافس الكبار، ويفرض بدوره “الفيزا” على دول حولت حدودها إلى ما يشبه جدار برلين جديد، وجعلت بسياساتها التمييزية قضية الهجرة مسألة حياة أو موت.. فضلت الانغماس في لعبة “إنكار” الواقع والتنصل من المسؤولية، والاختباء وراء أسلوب “المعاطية” فيما بينها…
لقد كان حريا بكل هؤلاء أن يكونوا في الصفوف الأولى لتأطير هؤلاء الشباب، الذين جعلتهم الإشاعة يتخيلون إسبانيا فردوسا أوروبيا، بينما الواقع أبعد من ذلك بكثير، ولنا في ما يجري داخل مراكز إقامة القاصرين في سبتة ومليلية خير مثال على ذلك.. لكن لنكن واقعيين، من أين لهؤلاء بالثقة لمخاطبة أي كان في هذا البلد، وهل بقي لهم قدر من مصداقية لدى شباب حانقين على وضع اجتماعي متأزم، يصر السياسيون والمسؤولون على “تزويقه” رغم كل الحقائق…
أما ما تبقى من “جبهة” وقدرة على “تخراج العينين” قهم يدخرونه لأوقات الانتخابات، أما في الأزمات فيرفعون لازمة “عيطو للدولة” ليتركوا قوات الأمن في مواجهة شباب مندفع يركض حافيا صوب الضفة الأخرى، فيما “شبيبتهم” ترقص على أنغام “الهبل”… وقديما قيل “للي لقى راحته في الهبال آش بغى يدير بالعقل”!!
فشلت الحكومة والأحزاب.. “عيطو للدولة”!!







