تضمن مشروع قانون المالية لسنة 2025 الذي أعدته حكومة عزيز أخنوش، حزمة من الإصلاحات الضريبية والجمركية، في محاولة لتحسين الأوضاع الاقتصادية وضبط الميزانية العمومية. يركز المشروع على عدة محاور رئيسية، منها تطبيق ضرائب جديدة وإصلاحات في نظام الضريبة على الدخل، بالإضافة إلى إجراءات تستهدف مكافحة التهرب الضريبي وتعزيز اندماج القطاع الغير مهيكل في الاقتصاد. لكن السؤال الرئيسي هنا: هل تلبّي هذه التدابير تطلعات المواطنين، خاصة في ظل الصعوبات الاقتصادية المستمرة؟
الجمارك: خطوة ضرورية لكن غير كافية
أحد أبرز التدابير الجمركية في هذا المشروع هو وضع آلية لتحديد علامات المنتجات النفطية بالتعاون مع وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة. هذا الإجراء قد يكون خطوة إيجابية في منع الاحتيال والتهرب الضريبي في قطاع حساس مثل الهيدروكربونات. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستكون هذه الإجراءات كافية للسيطرة على القطاع الذي يعاني من مشكلات هيكلية تتعلق بالتسعير والاحتكار فضلا عن تضارب المصالح.
وفي هذا السياق، صرّح المهندس الطاقي عبد الرحيم الطاهري لـ “نيشان” أن “تطبيق ضريبة الكربون خطوة جريئة على طريق التحول البيئي، لكن الاقتصاد المغربي الذي يعاني من تقلبات مستمرة قد لا يكون جاهزاً لتحمل عبء ضريبة جديدة، خاصة أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة ستتأثر بشكل مباشر”.
الضريبة على الدخل: إصلاحات تصب في صالح من؟
أعلنت الحكومة عن مراجعتها للضريبة على الدخل (IR) في 2025، وتقديم تخفيضات تستهدف تحسين أوضاع الطبقة المتوسطة. من الناحية النظرية، يبدو هذا الإجراء منصفاً، حيث سيتم رفع الحد الأدنى للإعفاء الضريبي إلى 40,000 درهم سنوياً، وهو ما سيعفي الدخل الشهري الذي يقل عن 6000 درهم من الضرائب.
الاقتصادي أمين الرزقي أوضح لـ”نيشان” أن “هذه الخطوة قد تبدو مغرية، لكنها لا تذهب بعيداً بما فيه الكفاية، خصوصاً أن الأعباء المالية على الأسر المغربية تتجاوز هذه التخفيضات البسيطة”.
وأضاف أن “الطبقة المتوسطة لا تزال تعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة بشكل يؤثر على قدرتها الشرائية، لذا فإن هذا الإصلاح قد لا يكون كافياً لتخفيف الضغط الفعلي عليها، كما أن توسيع الشرائح الضريبية وتخفيض معدلات الضرائب قد لا يعالج الفجوة المتزايدة بين الأغنياء والفقراء.”.
القطاع غير المهيكل: حل جذري أم مسكّن؟
أحد النقاط التي سلط عليها الضوء في مشروع قانون المالية 2025 هو تعزيز جهود دمج القطاع غير المهيكل في الاقتصاد الرسمي، وهو هدف تكرر ذكره في السياسات الحكومية لسنوات دون تحقيق تقدم ملموس. فهل هذه الجهود ستؤدي أخيراً إلى نتائج؟ دمج هذا القطاع سيزيد من الإيرادات الضريبية، لكن العديد من الخبراء يشككون في ما اذا كانت الحكومة ستتمكن من النجاح في ذلك ام لا.
وفي هذا الصدد، قال الأستاذ الجامعي حسن قروى، المتخصص في الاقتصاد السياسي، إن “القطاع غير المهيكل يشكل جزءاً كبيراً من الاقتصاد الوطني في المغرب، وهناك تحديات تتعلق بعدم الثقة بين العاملين في هذا القطاع والإدارة الضريبية”. وأشار إلى أن “الحكومة بحاجة إلى توفير حوافز ملموسة وإجراءات تحفيزية لدفع هؤلاء العاملين للانضمام إلى النظام الرسمي بدلاً من الاعتماد على آليات العقاب”.
الإصلاحات الهيكلية: إلى أين؟
رغم أن الحكومة تراهن على إصلاحات ضريبية وجمركية، فإن التحديات الرئيسية التي يواجهها الاقتصاد المغربي تتطلب إصلاحات هيكلية أعمق. الاعتماد الكبير على الدخل من الضرائب في ظل غياب تنوع اقتصادي كافٍ، وارتفاع معدلات البطالة، والتضخم، كلها قضايا لم يتم التطرق إليها بشكل مباشر في هذا المشروع.
وفي هذا السياق، حذرت الخبيرة الاقتصادية ليلى الزهيري من أن “الاعتماد الكبير على الإصلاحات الضريبية قد يكون قصير الأجل، حيث إن الاكراهات الاقتصادية العميقة تتطلب إصلاحات أكثر شمولية لتعزيز النمو وتنويع مصادر الدخل”.
بالمحصلة، بينما تقدم الحكومة مشروع قانون المالية لسنة 2025 كحزمة إصلاحات تهدف إلى تحسين الوضع الاقتصادي والمالي، فإن هذه الإصلاحات، رغم أهميتها، قد لا تكون كافية لمواجهة الأزمات العميقة التي تواجهها البلاد. يحتاج المغرب إلى سياسات اقتصادية أكثر شمولية وتوازنًا، تتعدى مجرد التعديلات الضريبية لتشمل حلولًا أكثر استدامة للنمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية.







