تناول الإعلام الإسباني بإسهاب خبر اعتقال الحرس المدني الإسباني لكريم البقالي المتهم الرئيسي في مقتل ضابطين إسبانيين في ميناء بارباتي في قادش في السابع من فبراير الماضي.
ونُشرت حول كريم ومسيرته في عالم الاتجار الدولي للمخدرات وفراره إلى المغرب وظروف اعتقاله، تقارير متعددة اعتُمد فيها على تسريبات لمصادر أمنية إسبانية التي كانت “سخية” مع صحافة بلدها.
“نيشان” اطلعت على تقارير مختلفة للصحافة الإسبانية حول هذا الملف وأعدت تقريرا يستعرض تسلسل الأحداث في هذه القضية ويقدم نبذة ملخصة عن كريم، المتابع من طرف محكمة قادش بقتل ضابطين وإصابة أربعة آخرين.
مولود في عالم المخدرات
منذ ولادته في عام 1991 في الفنيدق تمتَّع كريم البقالي، بحماية عمه عبد الله المرابط، المعروف أكثر باسم “البوس”، وهو زعيم مغربي لتجارة المخدرات مستقر في كوستا ديل سول وزعيم مافيا “بوس بوس”.
ووفقًا لمصادر أمنية، يمتلك عمه العديد من الممتلكات العقارية في كوستا ديل سول، بالإضافة إلى سيارات فاخرة ودراجات مائية وقوارب ترفيهية ويخت فاخر يرسو عادةً في الميناء الترفيهي “بويرتو بانوس” القريب من ماربيا، وتبلغ قيمته حوالي 500 ألف يورو.
نشأ كريم تحت رعاية هذه العائلة البارزة في عالم المخدرات، ولم يتأخر في دخول مجال تهريب المخدرات في مضيق جبل طارق، حيث عمل دائمًا كقائد لقوارب المخدرات، وهو المنصب الأكثر ربحية في منظمات تهريب الحشيش التي تنقل المخدرات إلى إسبانيا.
قائد زورق
في سن 17، صار كريم فعليا قائدا لقوارب المخدرات في عمليات تهريب عائلته، رغم أنه لم يكن الأفضل سمعةً، لأنه كان يميل إلى التورط في المشاكل ويتميز بطبعه العنيف.
منذ بداية شبابه، كانت لديه سوابق في المغرب بسبب التهريب، وارتبط بحوادث عنف مع الشرطة ومع مهربي مخدرات آخرين.
هجومه على الحرس المدني
في عام 2010 سجل الحرس المدني الإسباني كريم لأول مرة في إسبانيا عندما كان يبلغ من العمر 19 عامًا فقط.
في ذلك الوقت، قُبض عليه بتهمة مقاومة وعرقلة الشرطة خلال عملية في مالقة قبل أربعة عشر عامًا من حادث مقتل ضابطي الحرس المدني الإسباني في بارباتي.
في ذلك اليوم، كان كريم يقود قاربًا غير مسجل عندما تم ضبطه مع ثلاثة آخرين في عرض البحر من قبل الحرس المدني، وبدأوا في مطاردة استمرت 30 دقيقة.
وذكر التقرير الرسمي أن ركاب القارب لم يستجيبوا للإشارات الصوتية والضوئية التي أمرتهم بالتوقف، وقاموا بمناورة خطيرة قبل إلقاء حزم الحشيش في البحر قبل إلقاء القبض عليهم.
لم يقضِ كريم وقتًا طويلاً في السجن، وسرعان ما عاد إلى نشاطه الإجرامي. في سن 19، كان لديه بالفعل سجل طويل في عالم المخدرات والعنف.
انتهاك قانون الأجانب
قبل ذلك، ألقت الشرطة الوطنية القبض عليه في “خريز دي لا فرونتيرا” في 18 يوليوز 2011 لانتهاكه قانون الأجانب، حيث ضُبط بحوزته وثائق مزورة باسم “كريم بقالي”.
عندما تم اعتقاله بحوزته وثائق مزورة، كان من الممكن أن تكون تلك نهاية لمسيرته في تهريب المخدرات، لكن كريم، الذي كان لديه سجل إجرامي طويل في المغرب، عاد للعمل مع مافيا “بوس بوس” بفضل قرابته مع عمه، زعيم المنظمة.
قيادة قوارب المخدرات في قادش
في 25 شتنبر 2019، أُلقي القبض على كريم مرة أخرى في سوتوغراندي (قادش) خلال عملية لتزويد قوارب المخدرات بالوقود.
في ذلك اليوم، تم تحديد هويته برفقة شخص آخر عندما كان يتنقل بدون وثائق على متن قارب بين مالقة والجزيرة الخضراء.
مع عمه في مالقة بعد عام، في 26 مايو 2020، تم التعرف على كريم مرة أخرى على متن قارب في ميناء كابوبينو في توريمولينوس، قرب مالقة.
هذه المرة، كان برفقة عمه عبد الله المرابط، زعيم العصابة، إلى جانب شخصين بالغين آخرين وقاصر.
في ذلك الوقت، كان كريم لا يزال يتمتع بحماية عمه ومنظمته، رغم أنه لم يكن ليعول على ذلك لفترة طويلة.
شحنة مخدرات في نيرخا
في 18 يناير 2021، تورط كريم مرة أخرى في عملية ضبطها الحرس المدني، هذه المرة في نيرخا (مالقة) بسبب شحنة من 119 حزمة حشيش في عام 2018، وكشفت تحاليل الحمض النووي عن تورط كريم في العملية.
التعرف عليه على الطريق
قبل عام من مهاجمته الحرس المدني في بارباتي، تم التعرف عليه في 12 يونيو 2023 عندما كان يسافر مع ثلاثة آخرين لديهم سوابق على متن سيارة تحمل لوحة تسجيل مغربية.
كان أحدهم كريم والآخرون أبناء عمومته.
العنف في بارباتي
في 9 فبراير 2024، تورط كريم في الحادث الأعنف في مسيرته عندما تسبب في قتل ضابطين من الحرس المدني الإسباني وإصابة أربعة آخرين بجروح خطيرة.
في ذلك اليوم، أطلق الحرس المدني زورقًا لمطاردة قوارب المخدرات التي لجأت إلى الوادي الكبير لتتجنب العاصفة البحرية.
غادرت جميع القوارب إلا اثنان، أحدهما ذاك الذي كان يقوده كريم، حيث سعى إلى البقاء في المياه لأطول فترة ممكنة، قبل أن يتواجه مباشرةً مع الزورق الصغير للحرس المدني.
أظهرت عشرات شرائط الفيديو التي حللها المحققون الإسبان أن كريم كان يستمتع بتطويق الزورق الأمني مرارًا وتكرارًا، يطارده ويحوم حوله مثل سمكة قرش تحوم حول فريستها مستغلا التفوق الكبير لزورقه القوي.
وبعد عدة محاولات، اصطدم زورق كريم بالزورق الأمني، ما أسفر عن مقتل ضابطين وإصابة أربعة آخرين بجروح خطيرة. ثم فر إلى المغرب.
في المغرب..
قضى كريم سبعة أشهر مختبئًا في المغرب، حيث تم التفاوض على شروط تسليمه مع الأمن المغربي ومحاميه، وفق ما ذكرت صحيفة “أوكي دياريو”.
كما أنه كان منبوذًا من عصابات تهريب المخدرات نفسها التي لم تتفق مع جريمته، ولم يرغب الآخرون من المهربين في التعامل معه أو التورط معه.
تقارير إخبارية إسبانية ظلت تؤكد أن الحرس المدني الإسباني نجح في تحديد مكان اختباء كريم في المغرب، فيما التحقيقات كانت تتقدم بسرعة لجمع الأدلة الكافية لإدانته.
قرار “ذكي”
وبما أنه كان متابعا في قضايا مختلفة من طرف العدالة في المغرب ومطلوب في إسبانيا، توصل في النهاية إلى اتفاق لتسليم نفسه بعد أن علم أن الحرس المدني أرسل تقريرًا إلى القاضي يتضمن أدلة قوية تؤكد تورطه المزعوم في جريمة قتل رجلي الحرس المدني في ميناء بارباتي.
كان على وشك أن يصدر بحقه أمر اعتقال دولي آخر، وقرر أن يلعب ورقة تسليم نفسه ويقدم نفسه كمجرم نادم يعلن أسفه ويقدم اعتذاره لعائلات الضحيتين، مع وصف مقتلهما بحادث غير مقصود.
الخوف من قضاء العقوبة في المغرب
ما زال المهربون الثلاثة الآخرون مختبئين في المغرب وتم تحديد أماكنهم منذ أشهر من قبل الحرس المدني، لكنهم لم يقدموا أنفسهم لتسليمهم إلى السلطات الإسبانية.
تم إصدار ثلاثة أوامر اعتقال دولية بحقهم، مع تحديد أسمائهم وألقابهم وتفصيل التهم والأدلة التي ضدهم.
هم غير مستعدين لتسليم أنفسهم. لا يتحملون نفس الضغط الذي يعاني منه كريم البقالي في المغرب، حيث أن المشتبه الرئيسي في قتل رجلي الحرس المدني مطلوب بتهم تتعلق بتهريب المخدرات والتهريب لكن القتل أيضا.
كريم لديه سوابق وأعداء على جانبي المضيق، ومطارد من قبل العدالة في كلا البلدين، لذا اختار تسليم نفسه.
فضل كريم قضاء العقوبة في إسبانيا، حيث يخشى السجون في المغرب وقرر تسليم نفسه قبل تنفيذ أمر الاعتقال الدولي بحقه.
لم أعد أقدر على النوم
منذ تسليم نفسه، ركز كريم أثناء استجوابه من طرف عناصر الحرس المدني الإسباني أو عند الاستماع إليه أمام النيابة العامة الإسبانية، على كونه لم يقصد أبدا قتل الضابطين وأن كل ما وقع كان حادثًا ناتجا عن اصطدام بين زروقين.
من جهة أخرى، أصر كريم على تقديم اعتذاره لعائلات وأصدقاء الضحيتين معلنا عن أسفه الكبير إزاء حادث لم يكن يقصده حيث قال “سلّمت نفسي حتى أرتاح لأنني لم أعد أقدر على النوم بسبب تأنيب الضمير”.







