لم تمر محاولات الآلاف من الشباب المغربي للهجرة جماعة إلى مدينة سبتة في 15 شتنبر الماضي مرور الكرام في إسبانيا، حيث اجتهدت صحف إسبانية في تحليل الظاهرة والبحث عن أسبابها داخل المجتمع المغربي، منها صحيفة ABC التي أعدت تقريرا يحاول تحليل الظاهرة.
“يتساءل الجميع عمّا يمكن أن يدفع الأطفال والمراهقين والشباب، في ريعان شبابهم، إلى خوض مغامرة قد يفقدون فيها حياتهم.
مغادرة منازلهم وفراق أمهاتهم والانطلاق نحو المجهول، المخاطرة بحياتهم بهذه الطريقة ليس بالأمر الهين خصوصًا عندما لا يتعلق الأمر بشخص واحد، ولا عشرة، ولا مئة، بل آلاف، نظموا أنفسهم عبر الشبكات للتنسيق لهجوم على مدينة سبتة.
الجواب الوحيد الذي يصادفه المرء عند الحديث مع هؤلاء الأطفال هو اليأس والتشاؤم في أقصى حالاته، وهي المشاعر التي تغذي رغبتهم في مغادرة البلاد في إطار حركة “الحراكّة”.
البعض قد يقول إنهم مدللون، وآخرون يقولون إنهم مجرمون، ويؤكد آخرون أنهم فاشلون… لكنهم كثيرون للغاية بحيث لا يمكن إلقاء اللوم عليهم وحدهم، بل على نظام فشل فشلاً ذريعًا في أهم شيء: الحفاظ على الأمل في حياة كريمة لدى الشباب.
المغرب لديه اقتصاد ينمو باستمرار، مع مشاريع كبيرة، وبنية تحتية تتطور باستمرار، وشركات تزداد قوة في السوقين الوطني والإفريقي؛ لكن هذا النمو الاقتصادي ترافقه زيادة غير مسبوقة في البطالة، وخاصة بين الشباب، وتضخم متسارع يعوق الأسر المغربية عن تأمين لقمة العيش، ما يدمّر القوة الشرائية ويزيد من إفقار الطبقة الوسطى المتضررة بشدة، ويعمّق الفجوة بين المناطق إلى حد أن بعضها يعيش في عزلة شبه تامة.
في مغرب ما بعد كوفيد، الذي ما زال يتعافى من الضربة الاجتماعية والاقتصادية الكبيرة التي سببتها الجائحة، تم انتخاب حكومة ليبرالية جديدة بقيادة عزيز أخنوش، زعيم قطب النفط وأكبر رجل أعمال في البلاد، في انتخابات شهدت نسبة امتناع عن التصويت مرتفعة جدًا.
في أكثر من عامين ونصف من ولايته، ارتفع سعر الوقود، وكان هو المستفيد الأكبر من ذلك، وتساوت الأسعار تقريبًا مع إسبانيا، في بلد مثل المغرب حيث القوة الشرائية أقل بكثير. إنها أعلى الأسعار بين جميع الدول العربية.
مشاكل التعليم العمومي لم تُحل، حيث أن نزيف الهدر المدرسي والفشل الدراسي لم يتوقف. ففي كل عام، يتسرب حوالي 200 ألف مراهق قبل إنهاء المرحلة الثانوية الإعدادية رغم توجيهات الملك المغربي بإعطاء أهمية كبرى لهذا الموضوع؛ وعلى الرغم من ذلك، كان هناك إضراب للأساتذة استمر ثلاثة أشهر خلال العام الدراسي الماضي، بالإضافة إلى إضراب طلاب السنة الأولى في كليات الطب على مستوى البلاد، الذي انتهى بأقل من 5 في المئة من الطلاب الذين اجتازوا الامتحان النهائي.
ارتفعت معدلات البطالة خلال العامين الماضيين، وكذلك البطالة بين الشباب؛ إذ يوجد ما يقرب من مليون ونصف شاب تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عامًا لا يتلقون أي تعليم أو تدريب أو يعملون في أي مهنة.
يصل سعر كيلوغرام اللحم إلى حوالي 12 يورو في بلد لا يتجاوز فيه الحد الأدنى للأجور 300 يورو، وتجد جحافل الشباب والمراهقين انفسها بلا عمل أو تعليم، بلا حاضر ولا مستقبل، مما يستهلكهم ويقودهم إلى اليأس.
هؤلاء الشباب اليائسون لا يفكرون سوى في مغادرة البلاد: «نتركه لكم لأننا لم نعد نملك مستقبلًا، نتركه لكم لأننا لا نملك حاضرًا، نتركه لكم لأنكم أخذتم كل شيء»، كما يقولون في شوارع الفنيدق ومعظم مناطق البلاد. هذه هي شعارات “الحراكُة”.
هؤلاء الأطفال هم نتاج وضع غير متكافئ حيث يرون أقلية ثرية بشكل متزايد تعيش في عالم آخر، حيث يدرس أطفالهم في مدارس فاخرة باهظة التكاليف، ويقودون سيارات ألمانية فاخرة، ويقضون عطلاتهم الصيفية في إقامات فاخرة تطل على البحر قريبة من الفنيدق، المدينة التي شهدت محاولة هجرة جماعية معلنة وضخمة.
آلاف الشباب والأطفال، معظمهم مغاربة وبعضهم من دول مغاربية وأفريقية جنوب الصحراء، كانوا يريدون اجتياح سبتة بحرًا وبرًا، مخاطرين بحياتهم.
«بعض الشباب يتم اعتراضهم من قبل مجهولين يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لتحريكهم»، وفقًا لما قاله المتحدث باسم الحكومة المغربية.
هؤلاء الأطفال الذين لم يكملوا تعليمهم لم يحصلوا على تعليم لائق، أو مستشفى لائق، أو منزل لائق، أو حياة كريمة، لذلك يشعرون أنهم فقدوا كل كرامة داخل بلد ينمو اقتصاديًا باستمرار، ولكن الفجوة بين الفقراء والأغنياء تتسع أيضًا باستمرار. التضخم ازداد بشكل كبير، بنسبة 50 في المئة فقط خلال العامين الماضيين.
وسائل التواصل الاجتماعي هي المساحة التي ينظم فيها هؤلاء الشباب أنفسهم، وهناك لا يمكن لأحد أن يوقفهم.
ينتشر عبرها بكثافة مثل مغربي يقول: «لا يغادر أي قط حفلة زفاف» أو «ليطفئ آخر واحد الأنوار!».
لا يهم هؤلاء الشباب، لأنهم يمثلون الفشل الحي لسياسات الحكومات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، سواء كانت إسلامية أو ليبرالية.
كل الشباب الذين يتحدثون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو في المقابلات يقولون نفس الشيء: «لا نريد الرحيل من أجل المغامرة بحياتنا؛ نريد الرحيل لأننا فقدنا كرامتنا، لأننا ضحايا البطالة، وفي أفضل الأحوال سنكون عمالًا بأجور زهيدة». ويضيف آخرون: «نريد فقط أن نعيل أهلنا ونأكل ونعيش جيدًا».
ورغم هذا المشهد المقلق، في تجمع حاشد في أكادير، بين أعضاء حزبه، تفاخر رئيس الوزراء المغربي، مبتسمًا، بأنه يمتلك أفضل سياسة اجتماعية في إفريقيا.
وقد فعل ذلك في نفس عطلة نهاية الأسبوع التي دعت فيها الجماعات لاقتحام سبتة في 15 شتنبر. كان يرقص بجانب شخصيات بارزة من حزبه على أنغام أغنية لمغني راب مغربي شهير تقول: «أنا مجنون»…
كانت “مزحة” أو على الأقل علامة على اللامبالاة الكاملة من الحكومة التي تثبت يوميًا أنها بعيدة كل البعد عن واقع هؤلاء الشباب “الحراكُة”، هؤلاء الشباب “المحروقين” من التجاهل والنسيان، ومن “الحكّرة”، التي تعني “التمييز الجائر”، وهي كلمة تتردد كثيرًا بين الشباب ليس فقط في المغرب، بل في كل المغرب العربي. هذا الموقف من الحكام زاد من شعور الشباب بأن وضعهم المقلق لا يهم المسؤولين.
لا أحد يمكنه منع المحاولة القادمة لمرور هؤلاء الشباب، لأنهم كثر، وقد أظهروا بالفعل دلائل واضحة على التنسيق في تحركاتهم، وليس لديهم ما يخسرونه، ويخشون قلة من الأمور.
وبالتالي، قد يكونون على وشك تكرار مشاهد مماثلة قريبًا، فقد ظهرت بالفعل دعوات لمحاولة أخرى، لأنهم فقدوا، وفقًا لهم، ما هو أساسي؛ الكرامة”.
عن ( ABC)
بعد 15 شتنبر.. تقرير إسباني يُحلّل ظاهرة “الحريكّ” في المغرب
قال إن رئيس الحكومة يرقص في نفس اليوم الذي غامر آلاف الشباب بحياتهم من أجل العيش الكريم







