أفاد تقرير المقاصة المرفق بمشروع قانون المالية لسنة 2025 أن نفقات دعم المواد الأساسية ما زالت تشكل عبئا كبيرا على الميزانية العامة للدولة، خاصة في ظل استمرار التقلبات في الأسواق الدولية. وأشار التقرير إلى أن الحكومة خصصت مبالغ كبيرة لضمان استقرار أسعار عدد من السلع، بما فيها الحبوب، السكر، والمحروقات، بهدف التخفيف من حدة التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
تطور أسعار المواد المدعمة
استعرض التقرير الذي اطلع نيشان على مضامينه، تطور أسعار المحروقات، موضحا أن البنزين والغازوال شهدا تذبذبات حادة على مدار عامي 2023 و2024، نتيجة التوترات الجيوسياسية بين روسيا وأوكرانيا وتقلبات قرارات الإنتاج داخل منظمة “أوبك+”. وأفاد التقرير بأن هذه الارتفاعات دفعت الحكومة إلى زيادة مخصصات الدعم لتجنب تأثير هذه التقلبات على المواطنين، خاصة في ظل تحرير أسعار الوقود منذ سنوات.
كما تناول التقرير أسعار السكر، موضحًا أن السوق العالمية شهدت ارتفاعات في سعر السكر المكرر، ما أدى إلى زيادة كلفة الدعم في السوق الوطنية. وبيّن التقرير أن استقرار هذه الأسعار داخليا تطلّب تدخلا حكوميا متزايدا لضبط الكلفة وتجنب نقل عبء الزيادة إلى المستهلك النهائي.
الأمن الغذائي: الحبوب والاعتماد على الواردات
أوضح التقرير أن إنتاج الحبوب على الصعيد الوطني لا يغطي الطلب المتزايد، مما يجعل المغرب يعتمد بشكل كبير على استيراد القمح بنوعيه الصلب واللين. وأشار إلى أن معظم الواردات تأتي من دول مثل روسيا وفرنسا وألمانيا، مما يضع المغرب تحت رحمة التقلبات في الأسعار الدولية وتغيرات العرض والطلب في هذه الأسواق.
ورغم محاولات الحكومة دعم الفلاحين لتعزيز الإنتاج الوطني، إلا أن التقلبات المناخية أثّرت على الإنتاج المحلي، ما زاد من الحاجة إلى الاستيراد. كما أشار التقرير إلى أن تأخر الأمطار والمشاكل المناخية قد يفاقمان هذا الوضع خلال السنوات القادمة، مما يستدعي من الحكومة اتخاذ تدابير استباقية لتعزيز المخزون الاستراتيجي.
أعباء المقاصة على الميزانية العامة
كشف التقرير أن نفقات المقاصة ارتفعت بشكل ملحوظ مقارنة بالأعوام السابقة، مما زاد من الضغوط على الميزانية العامة للدولة. وبيّن أن هذه النفقات تتوزع على عدة قطاعات، تشمل دعم القمح، السكر، والمحروقات للناقلين الطرقيين، إلى جانب تكاليف النقل والتخزين. وتشكّل هذه المصاريف نسبة كبيرة من الإنفاق العمومي، ما يضع صعوبات أمام الحكومة لتحقيق التوازن المالي المطلوب.
وأشار التقرير إلى أن استمرار الحكومة في تحمل كلفة الدعم يشكل تهديدا للاستدامة المالية، مما يتطلب اتخاذ قرارات صعبة في المستقبل لتقليص هذه النفقات، إما عبر ترشيد الدعم أو البحث عن بدائل تمويلية جديدة.
إصلاحات مقترحة لضمان الاستدامة
تضمن التقرير توصيات بضرورة إصلاح آليات المقاصة لضمان استدامتها وتقليل أثرها السلبي على الميزانية العامة. ومن أبرز هذه التوصيات:
1ترشيد الدعم وتوجيهه للفئات المستحقة: من خلال تطوير آليات استهداف دقيقة تمنع استفادة الفئات غير المحتاجة.
2. تنويع مصادر الاستيراد: لتقليل التبعية لأسواق معينة وضمان استمرارية الإمدادات.
3. تعزيز الإنتاج الوطني: عبر تقديم حوافز للمزارعين وتشجيع الابتكار في الزراعة.
4. تحسين إدارة المخزون الاستراتيجي: لتقليل أثر التقلبات الدولية على السوق المحلية.
بين الضغوط الاجتماعية والمالية: هل تنجح الحكومة في تحقيق التوازن؟
يؤكد التقرير أن الحكومة تواجه اكراهاً مزدوجا: من جهة، توفير الدعم اللازم لضمان استقرار الأسعار وحماية الفئات الهشة؛ ومن جهة أخرى، ضرورة الحفاظ على التوازن المالي لتجنب تفاقم العجز. ويشير إلى أن استمرار تقديم الدعم بالمستويات الحالية قد يؤدي إلى تفاقم الأعباء المالية، ما يستدعي اتخاذ قرارات جريئة لتحقيق الإصلاح المالي.
في هذا السياق، يضع مشروع قانون المالية لعام 2025 البرلمان أمام مسؤولية كبيرة، حيث سيكون عليه مناقشة هذه الاكراهات والبحث عن حلول مستدامة تضمن حماية الفئات الهشة دون الإضرار بالاستقرار المالي للدولة.
مشروع قانون المالية في مواجهة خيارات معقدة
يخلص تقرير المقاصة إلى أن الحكومة ملزمة باتخاذ خطوات سريعة وفعالة لضمان استمرارية الدعم دون التأثير على الميزانية العامة. وبينما يبقى الرهان على تعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد، فإن نجاح هذه الإجراءات يعتمد على القدرة على تطبيقها بفعالية، في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية المتزايدة..
ومع اقتراب موعد عقد جلسة عمومية للمصادقة على قانون المالية في البرلمان، سيكون على الحكومة تقديم رؤية واضحة حول كيفية تحقيق التوازن بين التزاماتها الاجتماعية والمالية، في وقت تتزايد فيه الأزمات الاقتصادية على المستوى الدولي والوطني.







