هناك شبه كبير بين “جحا” وفرنسا، فكلاهما ترك “مسمارا” خلفه. لكن شتّان ما بين المسمارين. فمسمار “جحا” كان قصيرا، وحُشر في جدار غرفة مهترئة، أمّا “مسمار” فرنسا، فصدئ طرق بإحكام في خاصرة هذا الوطن. وعلى الرّغم من أنّ لا أحد يمكنه التّنبّؤ بطوله الحقيقي، فقد اخترق حرفيّا كلّ شيء. العقل، واللّسان، والتّعليم، والصّحافة، والاقتصاد، والصّحّة، والأوراق النّقديّة، وأسماء الشّوارع، وقد يكون النّاجي الوحيد منه حتّى اللّحظة هو الآذان.
وبما أنّ المصائب لا تأتي فرادى، فإنّ مسمار فرنسا الصّدئ، أوصله أخيرا “الحبيب” إلى المجلس الأعلى للتّربيّة والتّكوين والبحث العلمي بجرّة قلم. صدّق أو لا تصدّق، فإنّ مؤسّسة دستوريّة تمّ تأسيسها طبقا للفصل 171 من الدّستور، تفعيلا للفصل 168، والّذي صدر بالجريدة الرّسميّة عدد 6257 بتاريخ 19 ماي 2014، قد لجأت ل “مجلس تقييم المدرسة” في فرنسا ليشير عليها، رغم أنّه أسّس سنة 2019! وعلى ما يبدو أنّ “الحبيب” لم تعد له القدرة على التّقييم، ومن ثمّ لجأ للتّعاون الوثيق مع “دانيال” من أجل تبادل الخبرات، والممارسات الجيّدة.
“الحبيب” الّذي كان وزيرا للتّعليم بين 2002 و2007، من العدل والواجب الوطني، تحميله كفلا من المسؤوليّة فيما يخصّ الوضعيّة المزريّة الّتي آل إليها التّعليم في هذا الوطن. وبما أنّه لم يجد أمامه سوى “مسمار” فرنسا ليعلّق مستقبلنا عليه. فمن واجبنا التّساؤل لماذا؟ رغم أنّه الوحيد الّذي يملك تفسيرا لهكذا قرار. أما نحن، فواجبنا، البحث عن دواعي منطقيّة لابتلاع غصّة فرنسيّة جديدة. فلو كان الرّجل قد احتكم لتقرير جامعة بنسيلفينيا، لقلنا أنّ الدّول الأربعة الّتي سبقت فرنسا أولى بالشّراكة. ولو أنّه اتخذ القرار بناء على نتائج “التصنيف الأكاديمي للجامعات العالميّة”، لكانت 18 دولة الّتي سبقت فرنسا مثل: الصين وبلجيكا وألمانيا واليابان والبرازيل أحق بتلك الشّراكة. وإن كان قد استند على “برنامج تقييم الطّلّاب الدّوليّين”، لكان المنطق هو عَقْد شراكة مع أيّ من الدّول 25 الّتي تفوّقت على فرنسا مثل: سنغافورة، وكوريا الجنوبيّة، وإيرلندا، والنمسا، وبولونيا. لكن يبدو أنّ هناك أسباب أخرى لوضع المدرسة الوطنيّة تحت جبّة فرنسا. ومهما اجتهدنا في سبر أغوارها نحن معشر الحالمين بمدرسة وطنيّة بحجم تاريخنا، وسعة أحلامنا في غد أفضل، فلن نفلح.
يقول المثل المغربي “لي فاتك بليلة، فاتك بحيلة”. وللأسف يبدو أنّ كلّ اللّيالي الّتي سبق بها المجلس الأعلى للتّربيّة والتّكوين والبحث العلمي، “مجلس تقييم المدرسة” في فرنسا ذهبت سدى، ولم تنبت غير “الخشلاع”. ووحده المستقبل كفيل بإماطة اللّثام عمّا لا نعرف من أسرار. سنعرف ما إن كان “مسمار” فرنسا سيشفط دراهمنا ويحوّلها إلى يوروهات نحو شركات أو مؤسّسات فرنسيّة أم لا. سنكتشف إن كان “مسمار” فرنسا سيطرق في مقرّراتنا التّعليميّة أكثر أم لا. سنعرف غدا، ما لا نعرفه اليوم…
إنّ الشّراكات الحقيقيّة الّتي قد تفيدنا للتطوّر، لن تكون سوى تلك الّتي مرّ أصحابها بنفس ما نمرّ به من إكراهات على مستوى الموارد البشريّة والماليّة والبنيّة التّحتيّة. يجب أن نستفيد ممّن شقّوا طريقهم إلى التّفوّق العلمي بالاستثمار في العنصر البشري، وعلى رأسهم رجال وسيّدات التّعليم، بدل “صَرْفَقَتِهم” وسحلهم في الشّوارع. أمّا الّذين أسّسوا مجدهم بعدما نهبوا دول العالم الثّالث واستعبدوا شعوبها، فلن يفيدونا في شيء. بل ولن يخلصوا أبدا النّيّات في شراكاتهم معنا، لنقفز لمصافّ الدّول المتقدّمة. كما أنّهم لم ولن يروننا سوى من نفس الزّاويّة الّتي رآنا منها آباؤهم وأجدادهم من ذي قبل. شعوب متخلّفة لا تستحقّ سوى الاستغلال بكلّ الطّرق.
ليس هناك أيّ عيب في النّهل من تجارب الآخرين، والاستفادة منها، لكن العيب كلّ العيب، هو أن نتقهقر إلى الوراء عاما بعد عام، ولا نصل إلى وصفتنا الخاصّة في بناء تعليم منتج. كما فعلت دول كثيرة كانت بالأمس القريب جدا متخلّفة، فصار يضرب بها المثل في التقدّم اليوم.
ليتقدّم الوطن، نحن بحاجة إلى الوطنيّة الصّادقة، أكثر من إسهال الشّهادات الأكاديميّة. فالشّهادات على أهمّيّتها إن كانت دون وطنيّة صادقة، لن تكون أكثر من ورق مقوّى…
“مسمار” فرنسا







