عدد من الوزراء والمسؤولين من محدثي النعمة الذين تغيرت ملامحهم، بعد أن ذاقوا من نعيم السلطة والامتيازات، وودعوا أيام “الزلط”، لديهم تعريف غريب للفقر الذي لا يزال ينخر المملكة، ويكتسح مساحات جديدة ضمن شرائح فقدت، بعد صبر طويل، قدرتها على مقاومة الغلاء، وهضم السياسات العمومية التي صارت تفرض على جيوب المغاربة تمويل عدد من الخدمات التي تخلت عنها الدولة.
هؤلاء سيتحفظ لهم التاريخ بمكانة رفيعة ضمن نادي الانتهازيين الذين قلبوا “الفيستة” على المغاربة، بعد أن حرفوا تعريف الطبقة المتوسطة، ونصبوا فخاخ المؤشر، الذي جعل تعبئة الهاتف، وفق عقيدتهم، تأشيرة تسمح للمغربي بمغادرة الفقر مرفوع الرأس، دون الحصول على سنتيم من أموال الدعم المباشر.
لقد سمع المغاربة هذا الملياردير وهو يقول أن 500 درهم التي مُنحت كدعم مباشر جعلت بعض المغاربة يتخلون عن العمل، ولا ندري عن أي “درهم” يتحدث الرجل.
كما سمعوا من خلال “حكومة الدولة الاجتماعية” كلامًا كثيرًا على أن الفقر تقلص بالمغرب، وأن مستوى المعيشة تحسن، وهو ما يعلمون أنه كذب صريح، يفضحه الواقع، قبل التقارير الدولية والرسمية التي يتعامل معها المسؤولون دومًا بمنطق الإنكار.
آخر دليل على كذب الحكومة هو ما جاءت به المندوبية السامية للتخطيط، في أحدث مذكراتها الإخبارية حول نتائج بحث الظرفية لدى الأسر، والذي كشف أن معدل الأسر التي صرحت بتدهور مستوى المعيشة خلال الـ12 شهرًا السابقة هو 80.6 في المائة؛ فيما اعتبرت 14.6 في المائة منها استقراره، مقابل 4.8 في المائة فقط تعتبر أنه “تحسن”. وهذا يعني أن ساكنة هذا البلد وضعها صعب للغاية، ولا يصلها أثر آلاف المليارات التي تصرف في برامج ومخططات ومشاريع صنعت باسمها.
ولأن الحكومة ومعها باقي المسؤولين من “أوركسترا العام زين”، يرمون دائمًا التقارير الدولية بالباطل، فلا بأس من تذكيرهم بأحدث تقرير للمندوبية على عهد السي بنموسى، صاحب النموذج التنموي الذي لم نرَ منه سوى “الضباب”، وهو التقرير الذي نبه بدوره للمنحى التنازلي لمؤشر ثقة الأسر المغربية، وهو ما عزاه لأسباب تنكرها الحكومة دون خجل، وهي استمرار الغلاء، وتواصل ارتفاع الأسعار، ونسب البطالة، والإفراط في الاقتراض لمواجهة الاستنزاف المالي، وعدم القدرة على الادخار، بعد أن صارت نسبة الأسر العاجزة عن الادخار تلامس 90 في المائة.
هي أرقام قد تخيفنا لكنها لا تحرك في رأس حكومة الانتهازيين أي شعرة، وإذا ظهر السبب بطل العجب…
والعجب الحقيقي هو أن نسمع رئيس الحكومة ومعه قبيلة من الوزراء يربطون تراجع البطالة بالشتا، بمنطق لحسن الداودي الذي قال يومًا ما: الحكومة “مكطيحش الشتا”.
مهمة الحكومات هي إيجاد الحلول، لا الاجتهاد في صناعة التبريرات وتضليل الرأي العام بأن البطالة موجودة في القطاع الفلاحي فقط، في الوقت الذي يوجد فيه أزيد من 1.7 ملايين شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة، “خارج التعليم والعمل والتكوين”. الرقم مخيف ويفوق ساكنة دولة كالبحرين، بل يوازي ساكنة دول مالطا والرأس الأخضر وبروناي وإيسلندا مجتمعة، لكنه ورغم ذلك، غير كاف لإيقاظ من يهمهم من سباتهم، بعد أن توهموا بأننا تجاوزنا عين العاصفة، وأن المطالب التي أُشهرت دون أن يُستجاب لها قد خمدت، أو أُخمدت.
هذا بالضبط ما نبهت إليه دراسة سابقة حين قالت إن الشباب المحبط يمثل خطرًا اجتماعيًا على نفسه وعلى المجتمع، وأن هذا الوضع يخلق “حلقة مفرغة في الاقتصاد” الذي ينخره الريع والاحتكار، ويعاني أصلاً من هشاشة مزمنة عرتها الجائحة. الدراسة أوصت بتوفير تعليم ذي جودة وسهل الولوج، وضمان اندماج سياسي واقتصادي لهذه الفئة، وتحسين الوصول إلى التكوين المهني للشباب في المناطق القروية، وتعزيز الرعاية الصحية النفسية.
هي توصيات ستجد مكانًا مريحًا في الأرشيف لتظل مجرد نوايا طبية، كما هو مصير عشرات التوصيات والتحذيرات التي وردت في تقارير رسمية لم يجف حبرها بعد. كلها أجمعت على أننا نتجه بسرعة للحائط إذا استمر الصمت والتعامي عن حالة الاختناق التي تتفاقم على أكثر من صعيد، تمامًا كما قال والي بنك المغرب قبل أن يخفف لهجته مع مجيء حكومة أخنوش.
الرقم لوحده كافٍ للتأكيد على أن البطالة بهذا البلد السعيد تمتد، وتعصف بآمال مئات الألوف من أبناء المغاربة الذين يغرقون قسراً في سنوات الضياع، سواء حصلوا على شواهد جامعية ودبلومات وتكوينات، أو ودعوا المدارس بشكل مبكر. ولأن الذاكرة ربما تخون في بعض الأحيان، فلا بأس من إنعاش ذاكرة رئيس الحكومة بالأولويات التي تعهد بها أمام المغاربة، وهي خلق مليون منصب شغل، وإصلاح التعليم، ومحاربة الفقر والهشاشة، وتعزيز الحكامة الجيدة، ومحاربة الفساد وتعزيز القدرة الشرائية.
“اللسان ما فيه عظم”.







