عندما كنا صغارا كانت كرة القدم أجمل. كرة “ديال الميكا” طبعا. لونها يتراوح بين الأخضر والأحمر والبني والأزرق. ثمنها ثلاثة دراهم. تجدها عند البقال معلقة جنب التمر والمكنسات وكتب السنة الرابعة ابتدائي، و”المش ديال الميكا”، الذي كان يضحك به الكبار على الصغار في تلك السنوات البعيدة.
كنا “نتناقش” في ثمن الكرة: عشرون سنتيما للواحد. اكتتاب سريع يشارك فيه كل أطفال الحي. كرة بمربعات صغيرة، عليك أن تثقبها بإبرة كي يخرج منها بعض الهواء قبل الشروع في اللعب، وإلا ستنفجر لدى ارتطامها بأول مسمار أو قطعة زجاج، وتترك لك غصة في الحلق. كان عددنا كبيرا لا تستوعبه الأرضيّة المتربة جنب المقبرة، التي يجعل منها الكبار مصلّى أيام الأعياد ونحولها إلى ملعب بقية السنة. نتوزع إلى عدة فرق. الكبار في الهجوم والمتوسطون في الدفاع والصغار يحرسون المرمى أو يقفون في الاحتياط. نسجل الأهداف، ونرتكب المخالفات، ونحول النهار إلى ساعات مليئة بالصياح والشتائم. شتائم سوقية لا يمكن ان تستقيم المباراة من دونها. نسقط وننهض، نراوغ ونسجل، نتشاجر ونتصالح، ولا نفكر أبدا في العودة إلى البيت. لا يجبرنا على ذلك إلا الظلام، حين تغرب الشمس وتصبح الكرة غير مرئية بالعين المجردة.
وبينما نحن نستعد للانصراف، تتكرر دائما نفس المشكلة: من سيحظى بشرف الاحتفاظ بالكرة؟ “الوجه المشروك ما كيتغسلش”، والكرة المشتركة عمرها نهار واحد. الكل يريد أن يأخذها معه للبيت، لا أحد يبدي استعدادًا للتنازل. كنا نعجز عن التفاهم بسبب ميلنا التلقائي إلى العدوانية وحبك المقالب لبعضنا البعض. في النهاية نلجأ إلى”الحل النهائي”: نفتش عن شفرة حلاقة ونمزق الكرة إلى قطع صغيرة، نفرقها بيننا قبل أن ننسحب في اتجاه بيوتنا، ونحن نشعر بمزيج من الحسرة والاطمئنان. حسرة على الكرة التي لم تعش أكثر من نهار واطمئنان لأن الآخرين لم يأخذوها معهم!
كانت الشتائم جزء من المباراة. شتائم بذيئة من معجم سوقي لا ينضب. كرة القدم لعبة تحت الحزام. الضرب تحت الحزام يبدأ عندما يقترح أحد أن يأخذ الكرة معه، ويقول آخر إنه أولى بأن يحتفظ بها لأن في ببتهم حديقة ومرآب، ويتدخل ثالث ورابع… وحين يتعالى اللغط، يخرج من يضع حدّا للمهزلة: “عرفتي آش يجيكم مليح، عطيوني الكارو (المربع) ديالي !”… وفيما يشعر البعض بمغص في المعدة، يصرخ آخرون: “عطيني حتى أنا الكارو ديالي… بعدها يتشتت الشمل، ونفتش عن شفرة حلاقة كي نمزق الكرة إربا إربا، ثم نذهب إلى بيوتنا متحسرين. كنا نشتري كرة “ديال الميكا” عدة مرات في الأسبوع، لكننا نحلم بكرة حقيقية من نوع “ميكازا”.
أحيانا ننظم مباريات مع فرق الأحياء المجاورة. “ماتشات” ساخنة بأرباح حقيقية. كل لاعب يعطي درهما. الفريق الفائز يربح حصة محترمة. ضعف الرهان. كانت أرضية الملعب غير متوازنة: جزء نازل وجزء طالع. الفريق المحظوظ هو من يلعب في الجزء الطالع من الملعب أو تكون معه الريح. لحسم هذه الامتيازات، نقوم بالقرعة قبل انطلاق المباراة. “بيل أو فاس”. من يربح يحظى باختيار المكان الأنسب. كان معنا لاعب قصير وداهية. عندما يفوز الفريق المنافس بقرعة اختيار مكانه في الملعب، يحرضنا على رفع أيدينا والهتاف كأننا انتصرنا… رغم أننا سنلعب في الجزء الأسوأ، فإن حركتنا تدخل الشك لدى الفريق الخصم، الذي يدخل المباراة محطم المعنويات، معتقدا انه أخطأ الاختيار و أن ثمة معطيات نعرفها نحن وتغيب عنهم…. “الحرب النفسية” لعبة قديمة. عندما ننتصر نحمل الدراهم الثمينة ونجري عند مول الشفنج، كي نلتتهم شفنجات ساخنة نطفئها في السكر والبيض…
لم نكن نتخيل أن الحياة يمكن أن تستقيم بلا كرة، ولم نكن نمل من اللعب والتفرج وتتبع أخبار اللاعبين، على حساب الدروس. عندما يقترب المونديال نشرع في جمع صورهم ونلصقها في دفاترنا، من كان يملك غرفة لوحده يزين جدرانها بـ”پوستيرات” مارادونا وپلاتيني وپاولو روسي…
كانت الكرة أجمل. ولم يكن الناس مجبرين على الذهاب إلى المقهى وقرصنة القنوات المشفرة كي يتمتعوا بـ”الماتش”. كل المباريات تنقل على التلفزيون. لم يكن المال قد فعل فعلته…
كرة القدم “خسرت”، عندما ظهرت “بين سبورت” واستحوذت على حقوق بث المباريات، و أصبح المعلقون يسمونها، بكثير من التصنع، “المستديرة الساحرة”، وانقسم المغاربة إلى معسكرين: “الريال” و”البارصا”، وأصبح باري سان جرمان ناديا قطريا ورونالدو في الدوري السعودي…
نوستالجيا: المستديرة الساخرة







