أثارت التعديلات المحدودة التي أقرتها الحكومة على نظام المقاول الذاتي موجة من الانتقادات، حيث رفعت سقف رقم المعاملات الذي يخضع لضريبة بنسبة 30% على الخدمات المقدمة من نفس المقاول من 80 ألف درهم إلى 100 ألف درهم.
ورغم أن هذه الخطوة جاءت استجابة لبعض المطالب، فإن خبراء ومقاولين ذاتيين يعتبرونها إجراءً “تجميلياً” لا يتجاوز معالجة سطحية للمشاكل العميقة التي يعاني منها النظام. ويصف الخبراء هذا التعديل بأنه “رمزي”، وغير كافٍ لتخفيف القيود المالية التي تعرقل مسار المقاولين الصغار.
سياسة تستنزف المقاولين
وتظهر أرقام المديرية العامة للضرائب تراجعاً حاداً في أعداد المنخرطين الجدد في نظام المقاول الذاتي، حيث انخفضت النسبة من 104,529 شخصاً سنة 2021 إلى 73,519 شخصاً سنة 2022، ووصلت إلى 61,160 شخصاً في عام 2023. أما بداية السنة الجارية، فقد بلغ عدد المسجلين الجدد 3,820 شخصاً فقط، مما يشير بوضوح إلى أن النظام أصبح أقل جاذبية بسبب السياسات الضريبية التي تستنزف المقاولين بدلاً من تشجيعهم.
ويرى عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغيرة والمتوسطة، أن رفع السقف إلى 100 ألف درهم لا يزال غير كافٍ، مقترحاً رفعه إلى 150 ألف درهم على الأقل، أو حتى إلغائه.
توظيف وهمي وغياب الحماية
يشير العديد من المقاولين الذاتيين إلى أن النظام بات وسيلة للتحايل على الحقوق الأساسية للعاملين، حيث تلجأ بعض الشركات إلى تشجيع موظفيها على الانتقال إلى نظام المقاول الذاتي بهدف التهرب من الضمانات الاجتماعية وتخفيض التكاليف التشغيلية، فيما يُعرف بـ”التوظيف المزيف”.
وبدلاً من تقديم حماية شاملة للأجراء، فرضت الحكومة ضريبة بنسبة 30% على المقاولين الذين يعتمدون على عميل رئيسي واحد، معتبرةً أن هذا الإجراء يحد من الانتهاكات. غير أن هذه الضريبة القاسية تسهم في انكماش قاعدة المقاولين الذاتيين، وتحد من فرص نموهم بدلاً من توفير حل فعّال للتهرب من الالتزامات الاجتماعية.
تفاقم المشاكل البنكية
ولم يشهد نظام المقاول الذاتي أي تحسينات جذرية منذ إطلاقه، حيث يواجه المقاولون صعوبة في الوصول إلى التمويلات البنكية، إلى جانب محدودية فرصهم في المشاركة في الصفقات العمومية، رغم الوعود الحكومية السابقة. ويؤكد الخبراء أن الصعوبات التي يواجهها المقاولون الذاتيون تتطلب إعادة نظر شاملة، وليس مجرد تعديلات محدودة تحرمهم من فرص التوسع والتطوير.
الإفلاس وارتفاع معدل البطالة
انتقدت أصوات برلمانية، خاصة من الفريق الاشتراكي، السياسات الضريبية التي تفرض عبئاً ثقيلاً على المقاولين الذاتيين، محذرةً من تداعياتها على استقرارهم المالي.
وأكدت البرلمانية حياة لعرايش أن الضريبة المفروضة قد تدفع المقاولين إلى الإفلاس، في تناقض واضح مع الأهداف الاجتماعية للنظام. ودعت الحكومة إلى مراجعة جادة لسياساتها وإدخال تعديلات شاملة تعيد للنظام جاذبيته، وتوفر الحماية اللازمة للمقاولين الذاتيين من خطر البطالة وتضمن لهم ظروف عمل مستقرة.
بينما كان الهدف من نظام المقاول الذاتي هو تشجيع الشباب والعاطلين عن العمل على دخول سوق الشغل بكرامة، أصبح النظام اليوم مثقلاً بالقيود والعراقيل ويفتقر إلى التحفيزات التي تدعمه، مما جعل نظام المقاول الذاتي، وفقاً للخبراء، جزءاً من المشكلات الاقتصادية في البلاد.







