كشف “المحامي المتمرن” أمين نصر الله، الذي أثارت قضيته جدلا واسعا في الأوساط القانونية والحقوقية، عن عزمه مواصلة الدفاع عن حقه في ولوج مهنة المحاماة، بالتزامن مع صدور قرار من طرف محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بتأييد قرار تشطيبه من جدول المحامين المتمرنين، الذي سبق وأصدره مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء في شهر يوليوز الماضي. وفتح القرار، الذي وُصف بـ”القاسي”، أبواب النقاش مجددا حول مآلات القضية وحيثياتها.
وفي تطورات جديدة، أشار نصر الله إلى وجود تناقض صارخ بين ما جاء في مقرر التشطيب الصادر بحقه وما ورد في المذكرة الجوابية المقدمة من مجلس هيئة المحامين، معتبراً أن ذلك بمثابة معطى يعزز موقفه الرامي لمواصلة الدفاع عن قضيته حتى النهاية.
ووفق الوثيقة التي نشرها على حسابه في فيسبوك، يظهر أن نصر الله طالب بتفريغ تسجيلات الكاميرات واستدعاء شهود لإثبات الوقائع، باعتبارها وسائل حساسة لدحض الاتهامات الموجهة إليه. لكن لم تتم الاستجابة لهذه المطالب، سواء من خلال الامتناع عن إعادة قراءة تسجيلات الكاميرات أو تجاهل طلب استدعاء الشهود، وفق تأكيده.
ويتعلق التناقض الذي كشفه نصر الله بتضارب الروايات بين مقرر التشطيب والمذكرة الجوابية للمجلس، بشأن تسجيلات كاميرات المراقبة داخل المحكمة التي شهدت الواقعة، والتي أصر نصر الله على تفريغها. ففي قرار التشطيب، تم تأكيد أن الكاميرات “سجلت كل الأحداث وأن المحامي المتابع فضل عدم تفريغها لكونه يعترف بجزء كبير من الوقائع”. بينما في المذكرة الجوابية للمجلس، جاء فيها أن “عدم الاستجابة لتفريغ الكاميرا من طرف المجلس راجع لكون محتوياتها تشمل ليس فقط الوقائع المنسوبة إلى الطاعن، بل تمتد محتويات الكاميرا إلى وقائع أخرى، لا يجوز الاطلاع عليها إلا بشروط، كما هي واردة في قانون حماية المعطيات الشخصية”.
وعبر أمين نصر الله عن استغرابه في تدوينة قال فيها: “أريد تفريغ الكاميرات، أريد استدعاء الشهود، أريد جواباً على هذا التناقض الخطير بين مقرر التشطيب وما ورد في المذكرة الجوابية”.
وتعود قضية نصر الله إلى شجار وقع في فبراير 2024 داخل قاعة المحامين بالمحكمة الابتدائية الزجرية بعين السبع.
ووفق قرار التشطيب، نُسبت إليه تهم منها سب النقيب، وصعوده على طاولة القاعة، وإهانة بدلة المحاماة. لكن شهادات مكتوبة أدلى بها محامون أمام مجلس هيئة المحامين نفت تلك الاتهامات.
المحامي محمد بمعروف أكد في إشهاد مكتوب: “لم يقدم أمين نصر الله على سب النقيب أو صعود الطاولة أو إهانة البدلة”، مضيفًا أن ما حدث كان مجرد انفعال أثناء شجار مع زميل.
وفي شهادة أخرى، قال المحامي الكبير بوزادي: “نصر الله لم يتجاوز حدود اللياقة المهنية، رغم الانفعال الواضح”. هذه الشهادات، التي قُدمت للمجلس في وقت سابق، دعمت موقف نصر الله أمام الرأي العام، لكنها لم تكن كافية لإلغاء قرار التشطيب.
وأثار قرار محكمة الاستئناف بتأييد التشطيب مع النفاذ المعجل موجة من التضامن مع نصر الله، خاصة من نشطاء حقوقيين أبرزهم محمد الغلوسي، رئيس جمعية حماية المال العام، الذي وصف القرار بأنه “إعدام لمستقبل شاب اجتهد لتحقيق حلمه”. وأضاف الغلوسي: “قد يكون نصر الله أخطأ، لكن العقوبة تبدو قاسية وغير متناسبة مع حجم الخطأ”.
وأعاد التضامن الواسع مع نصر الله إلى الأذهان قضايا مشابهة تتعلق بممارسات مهنية وحقوقية أثارت الجدل. البعض يربط القضية بنشاط نصر الله في ملف “مرسبي امتحان المحاماة”، حيث كان من الأصوات البارزة التي انتقدت وزارة العدل وسياساتها، خاصة في ظل شبهات الفساد والمحسوبية التي شابت امتحانات الأهلية للمحاماة.
هذا الجدل فتح باب التكهنات حول ما إذا كانت مواقف نصر الله السابقة سببا في تشديد العقوبات عليه.
وفي خضم هذه التطورات، تجددت الدعوات لإعادة النظر في ملف نصر الله. وطالبت فعاليات حقوقية وقانونية بفتح تحقيق شفاف في القضية لتحديد ما إذا كانت العقوبة مبررة أم أنها تفتقر إلى التناسبية.
وقال أحد المتضامنين مع نصر الله: “المطلوب اليوم ليس فقط الإنصاف لهذا الشاب، بل أيضًا معالجة أعمق لواقع مهنة المحاماة التي تعاني من إكراهات تتعلق بالشفافية والنزاهة”.
وتأتي قضية نصر الله في سياق عام متوتر لمهنة المحاماة في المغرب. كما أعادت إلى الواجهة ملف امتحان الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة لعام 2022، الذي كشف عن اختلالات عميقة في طريقة تدبير الامتحانات، لا تزال تلقي بظلالها على المهنة، خاصة بعد الاتهامات التي وجهت لوزارة العدل حول المحسوبية والتلاعب بالنتائج.







