كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم 2023-2024 عن وجود نقائص جسيمة تعتري تنفيذ العديد من البرامج العمومية في قطاعات استراتيجية، مثل التعليم والصحة والإسكان والفلاحة، مشيرًا إلى أن هذه النقائص تعيق تحقيق الأهداف المرجوة رغم الاستثمارات الكبيرة المخصصة لها.
التعليم: الهدر المدرسي وإخفاق في التعميم
في قطاع التعليم، أظهر التقرير أن المبادرات الحكومية لمحاربة الهدر المدرسي وتوسيع نطاق التعليم الأولي تعاني من غياب رؤية موحدة وضعف التنسيق بين الأطراف المعنية. على الرغم من الجهود المبذولة، سجل التقرير أن معدلات الهدر المدرسي لا تزال مرتفعة، خاصة في المناطق القروية، مما يعكس عدم نجاعة البرامج المخصصة لمعالجة هذا التحدي.
كما أشار التقرير إلى غياب تجهيزات كافية وضعف البنية التحتية التعليمية، ما أدى إلى تفاوت كبير بين المناطق في الاستفادة من التعليم الأولي. ورغم تخصيص ميزانيات معتبرة لدعم التعليم، فإن تأثير هذه الجهود لم يظهر بوضوح على جودة الخدمات أو تحسين نسب التمدرس في المناطق النائية.
الصحة: تعثر المستشفيات وضعف تجهيزها
أما في قطاع الصحة، فقد أبرز التقرير تعثر مشاريع بناء وتجهيز المستشفيات، حيث تم تسجيل تأخيرات كبيرة في تسليم العديد من المشاريع التي كان من المفترض أن تعزز العرض الصحي في مختلف الأقاليم. ولفت التقرير إلى غياب التخطيط المسبق للاحتياجات، ما أدى إلى تركيز الاستثمارات في مناطق معينة مع تجاهل أخرى تحتاج إلى خدمات صحية ملحة.
كما أظهر التقرير أن النقص الحاد في الموارد البشرية الصحية يشكل تحديًا كبيرًا يعيق استغلال البنى التحتية المتوفرة، حيث تبقى بعض المستشفيات الجاهزة غير مستغلة بالكامل بسبب غياب الأطر الطبية المؤهلة.
الإسكان: مشاريع متعثرة وأزمات عقارية
فيما يخص الإسكان، أشار المجلس إلى تأخر ملحوظ في إنجاز مشاريع السكن الاجتماعي، خاصة تلك الموجهة للفئات الهشة. وتعود أسباب هذا التعثر إلى صعوبات في توفير الأوعية العقارية المناسبة، فضلاً عن عراقيل مرتبطة بالتمويل وضعف التنسيق بين القطاعات المسؤولة.
وأوضح التقرير أن العديد من المشاريع السكنية لم تراعِ خصوصيات المناطق المستهدفة، ما أسهم في ضعف الإقبال على بعض المجمعات السكنية نتيجة عدم توفر الخدمات الأساسية والبنية التحتية المحيطة.
الفلاحة: نقص الفعالية في برامج السقي والتأهيل الفلاحي
وفي قطاع الفلاحة، سجل التقرير ضعفًا واضحًا في تنفيذ برامج مخصصة للسقي والتأهيل الفلاحي، مشيرًا إلى أن العديد من هذه المشاريع لم تحقق الأهداف المنشودة بسبب غياب التتبع الفعّال لمراحل التنفيذ. وأكد التقرير أن بعض المشاريع العمومية في هذا القطاع تم إطلاقها دون إجراء دراسات قبلية دقيقة لتقييم الحاجيات الفعلية والموارد المتاحة.
كما أشار المجلس إلى أن ضعف البنية التحتية الفلاحية في بعض المناطق، مثل الطرق والمسالك المخصصة لنقل المحاصيل، يعيق استفادة الفلاحين من البرامج الحكومية الموجهة لدعمهم.
نتائج توصيات المجلس وتأثيرها على التدبير العمومي
وفيما يتعلق بمتابعة التوصيات الصادرة عن المجلس، أوضح التقرير أن نسبة التنفيذ الكامل لهذه التوصيات لا تتجاوز 18%، فيما تم تنفيذ 42% منها جزئيًا فقط. وتبقى 40% من التوصيات دون تنفيذ، وهو ما يعكس، وفق التقرير، ضعفًا في الالتزام بتفعيل مخرجات الرقابة المالية، مما ينعكس سلبًا على تحسين التدبير العمومي.
وأكد التقرير أن هذا البطء في التنفيذ يساهم في استمرار الإشكالات البنيوية التي تعيق أداء القطاعات الحيوية. كما أن غياب آليات فعّالة لتتبع تنفيذ التوصيات يعزز من الجمود الإداري في مواجهة التحديات المرتبطة بتعثر المشاريع العمومية.
توصيات لتعزيز الأداء العمومي
أوصى المجلس الأعلى للحسابات بضرورة إحداث إصلاحات جوهرية لتجاوز هذه النقائص، عبر تعزيز التخطيط المبكر والدقيق للمشاريع واعتماد دراسات قبلية موضوعية وشاملة لتحديد الحاجيات وفق الأولويات الحقيقية. كما دعا إلى تحسين آليات التنسيق بين القطاعات الحكومية، وضمان تتبع مراحل التنفيذ بصرامة أكبر لتجنب تأخر المشاريع وتعثرها.
وشدد التقرير على أهمية تعزيز المساءلة وتحفيز المسؤولين على تنفيذ توصيات المجلس لضمان تحسين الأداء العمومي. كما دعا إلى استثمار التجارب السابقة والاستفادة من الخبرات المتراكمة لتطوير منهجيات عمل مبتكرة وفعّالة.
تحذيرات من استمرار الوضع القائم
وحذر المجلس من أن استمرار هذه الاختلالات دون معالجة جدية سيؤدي إلى تعميق الفجوات التنموية، خاصة في القطاعات الحيوية التي ترتبط مباشرة بمستوى معيشة المواطن المغربي. وأكد أن تجاوز هذه التحديات يتطلب إرادة سياسية قوية، والتزامًا بتطبيق الإصلاحات الموصى بها لضمان تحقيق الأهداف الوطنية للتنمية المستدامة.







