“اللغة العربية ميتة”، و”ضلّت كذلك منذ الجاهلية، ولم تتطور منذ 14 قرنًا”، و”الفرنسية والإنجليزية ثروة يجب أن توزع بشكل عادل بين المغاربة”.
الكلام خرج من فم وزير سابق في حكومة العثماني، حتى قبل أن يهضم المغاربة هرولة جميع السياسيين للمصادقة على القانون الإطار، بعد التعليمات التي صدرت، والتي كشفت لنا أن الأحزاب والحكومة في هذا البلد مجرد شاشة، تخضع لجهاز تحكم عن بعد.
وصف اللغة العربية بأنها ميتة ليس جديدًا، بل سمعناه كثيرًا خلال منافحات فكرية وثقافية بين أسماء أدبية معروفة، كما سمعناه بصيغة نشاز خلال المساعي المشبوهة التي قامت بها بعض الوجوه التي عرفنا من خلال الوفد الذي رافق ماكرون في زيارته للمغرب من يقف خلفها، وهي ذات الوجوه التي فشلت إلى الآن في مشروعها الهادف لتقويض مكانة اللغة العربية، وفسح المجال لاكتساح الدارجة، تمامًا كما حاول المستشرقون وأنصار الكولونيالية، والذين اتضحت أهدافهم من ذلك في وقت لاحق. وعلى من يجهلها من الساسة الذين قُطر بهم السقف أن يعودوا لمقررات التاريخ الخاصة بالأطفال.
والحقيقة أن هذا اللوبي الذي صارت وجوهه معروفة، كما هو معروف عداؤه الشديد للغة العربية بعد سعيه الفاشل والمفضوح لفرض “الدارجة”، لم يكن فعلاً بحاجة إلى مصادقة المؤسسة التشريعية على القانون الإطار، لأن مسلسل “الفرنسة” انطلق فعلاً منذ عهد الوزير بلمختار. كما أن هذا اللوبي هو الذي مكن التيار الفرنكفوني من العودة للواجهة من خلال سلسلة من الاتفاقيات التي أُبرمت علنًا لتدخل المدرسة العمومية حظيرة “الفرنسة” من جديد، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة مشغولة بكيفية رفع الدعم عن “البوطا” والسكر والدقيق.
منذ البداية كان هناك إصرار غير بريء على تحقير وسحب اللغة العربية من المشهد، وإعادة ربط تعليمنا بلغة المستعمر التي لا تزال جاثمة على تعاملاتنا الرسمية ووثائقنا الإدارية، في انتهاك سافر للدستور، وهو ما يفسر تعامي من يصنعون القرار في الكواليس عن الدعوات التي طالبت بالتريث، وتوفير أرضية مناسبة لاعتماد اللغة الإنجليزية كما فعلت فرنسا التي تتجه لتعزيز التدريس بالإنجليزية لتمكين طلابها من آفاق دولية أوسع.
اليوم تأكد أن من يتحكمون في طبخ بعض القرارات الحاسمة هم أناس يعيشون بيننا، لكنهم لا يشبهوننا في شيء، ولا يتحدثون لغتنا. كما تأكد أن المداخلات المملة والإنشائية للأحزاب في جلسة التصويت على القانون الإطار كانت مجرد واجب مدرسي أداه الجميع بشكل ببغاوي، بعد التعليمات التي صدرت، والتي هرول الجميع بعدها للموافقة، في خطوة كشفت أن النقابات والأحزاب بضجيجها، والمؤسسة التشريعية، والحكومة، صارت مجرد واجهة ليس إلا.
التاريخ لا يرحم وله ذاكرة قوية.
لن نناقش الحملة على اللغة العربية لأن أجندتها واضحة، لكن سنكتفي بما قاله الوزير من أن اللغة الفرنسية والإنجليزية ثروة يجب أن توزع بشكل عادل على المغاربة؟
هذا الوزير الذي اختفى كشبح، كان وبكل بساطة، يحاول أن يبدو عميقًا، لكن لا بأس من تذكيره بأن الثروة الحقيقية التي يتعين أن توزع على المغاربة بشكل عادل هي ذات الثروة التي تنهب يوميًا عبر الاحتكار والريع والفساد السياسي والاقتصادي، وهي ذات الثروة التي تساءل الملك: أين هي؟
الثروة الحقيقية هي أن نصنع عدالة اجتماعية، وقضاءً نزيهًا، واقتصادًا شفافًا، وصحة تحفظ للناس كرامتهم، وأساسًا تعليمًا عموميًا جيدًا يقطع الطريق على من يحاولون بيع الوهم للمغاربة من خلال إقناعهم بأن الفرنسية طوق النجاة، لحثهم على الهرب بأبنائهم نحو القطاع الخاص.
العبث هو أن نتوقع إصلاح التعليم العمومي من وزراء يدرسون أبنائهم بالبعثات الأجنبية، بل وفوق ذلك يعتبرون أن الفرنسية ثروة؟







