منذ حمّلت التطبيق على سبيل الفضول، أصبحت أتحدث مطولا مع السيد “شات جي بي تي” كما لو كان شخصا حقيقيا. أسأله وأستفزه وأسخر منه، على سبيل التسلية، لكنه يردّ دائما بمنتهى اللباقة، لا يفقد صوابه أبدا. دمه بارد وأعصابه في ثلاجة.
بعد محادثة طويلة، قلت له: “أنت حقير يا شات جي بي تي”… ورد علي بكلّ أدب: “أنا آسف إذا شعرت بالإحباط أو الغضب بسبب شيء قلته. هدفي دائمًا هو المساعدة والإجابة بأفضل طريقة ممكنة. إذا كنت ترغب في مناقشة شيء ما أو إذا كان هناك أمر معين أزعجك، فأنا هنا للاستماع والمساعدة”… الذكاء بلا إحساس، شيء خارق!
بعيدا عن برودة الأعصاب، الحقيقة أنّ “شات جي بي تي” يشبه بعض الصحافيين العرب، الذين يملكون رصيدا معرفيا واسعا، لكنهم لا يتورعون عن التلفيق والاختلاق، إن اقتضى الأمر، كي يظهروا كأنهم يعرفون كل شيء. إنه نصاب كبير. اذا لم تكن حذرا معه، يمطرك بسيل من المعلومات المضللة. تسأله عن شيء لا يعرفه، ويرد عليك كأنه يعرف، ويقدم لك فقرات محترمة من “الفايك نيوز” بضمير مرتاح. أصلا هو بلا ضمير، وبلا إحساس، وذلك مصدر قوته. يُذَكِّر فعلا بأولئك الصحافيين المخضرمين، الذين يملكون تجربة كبيرة، تمنحهم إعجاب القراء واحترام الزملاء، لكنهم لا يتورعون عن استغلال رصيدهم الرمزي من أجل “التغوفيل”، واختلاق بعض المواقف والبطولات… للضرورة الشعرية!
من أشهرهم الراحل محمد حسنين هيكل، الذي كان ثرثارا في آخر أيامه، يكتب في “الأهرام” ويتحدث في “الجزيرة”. وكلما شرع في استعراض بعض الأحداث التاريخية والتعليق عليها، يقول لك إن “عبد الناصر قال له كذا وكذا”، ثم يبني على ذلك تحليلات
طويلة، ويصل إلى خلاصات خطيرة، تجعلك تضرب أخماسا في أسداس. “المشير عامر أفشى له بسرّ”… وفتش أنت عن المشير كي تتأكد من صحة الخبر، خصوصا حين يكون صعبا على التصديق!
طبعا ذلك لا ينقص من قيمة حسنين هيكل، الذي يبقى قامة إعلامية كبيرة، سواء كان الخبر صحيحا أو ملفقا. “الشيخوخة حالة غرق”، كما قال شارل دوغول. وقد انتبه الى ذلك هيكل، عندما بلغ الثمانين، وتوقف عن كتابه عموده الشهير “بصراحة” في “الأهرام”. في سبتمبر 2003 أنهى هيكل مسيرته الحافلة مع الكتابة في أعرق جريدة مصرية بعمود تاريخي اختار له عنوانا جميلا: “استئذان بالانصراف”. ولعل طريقته الأنيقة في التوقف عن الكتابة، تجبّ كلّ كبواته، وتُذَكِّرُ أنه كان من أكبر الصحافيين العرب في القرن العشرين أو لعله أكبرهم على الإطلاق. “وحتى زين ما خطاتو لولا”.
زميله أنيس منصور أيضا كان صحافيا كبيرا، رغم أنه دبّج أشياء غريبة في عموده اليومي ب”الشرق الاوسط” وعلى صفحات “الأهرام” في آخر ايامه، وفي الكتب التي كان يسميها “مذكرات”. هيكل متخصص في عبد الناصر وأنيس منصور في أم كلثوم، مع “خفة لا تحتمل”. “قالت لي وقلت لها”… دون شهود. حين يحضر الشاهد، لا بد أن يكون ميتا لحظة كتابة المقال. في كتابه “عاشوا في حياتي” يتحدث أنيس منصور عن لقاء جمعه مع أم كلثوم والشاعر كامل الشناوي، بعد هزيمة يونيو 1967، ويكتب ما يلي في الصفحة 658 : “قيل لأمّ كلثوم إن الرئيس جمال عبد الناصر بعد انفصال سوريا والنكسة العسكرية قد غاب عن الوجود… وأن مصر يديرها الذين حوله… وكان الذي يحدثها هو المرحوم كامل الشناوي ولم يكد يكمل… حتى بكت أم كلثوم تماما كطفل سمع كل هذه الأخبار المفاجئة عن والده!”…
المشكلة ليست في دموع أم كلثوم، بل في كون الشناوي توفي في 30 نوفمبر 1965، أي عاما ونصف قبل حرب 67… مع ذلك، قطع موته وحضر في هذه الأمسية العجيبة، ليشرح لأم كلثوم تداعيات النكسة على حكم عبد الناصر… المهم. “كتبعو الهضرة حتى كتحماض، اللسان ما فيه عظم”!
المؤكد أن الأمر يتعلق بصحافيين كبار، لكنهم يريدون أن يلعبوا دور البطولة. النرجسية عدوّ الصحافي، تدفعه إلى تحوير بعض الأحداث واختلاق أخرى.
ولعل الأمر يتعلّق بجنس صحافي قائم الذات، يمارسه بعض الزملاء في آخر العمر، يمكن أن نسميه: “الخبّير”، حيث يختلط الخبر بالخرافة.
في المغرب، يعدّ الراحل مصطفى العلوي، مدير “الأسبوع الصحافي”، رائدا في هذا “الجنس الصحافي”، على الصفحة الأخيرة من جريدته.
كان المرحوم يرجع بنا قرونا إلى الوراء، بحثا عن “الحقيقة الضائعة”، وفي خضم هذه الرحلة ينقل كلاما، لم يرد في أيّ كتاب، عن السلاطين والقيّاد والأعيان، من مولاي إسماعيل إلى باحماد، كأنه كان جالسا معهم…
ذلك طبعا، لا ينقص من مكانة مصطفى العلوي، كأحد مؤسسي الصحافة المغربية، الذين أخلصوا للمهنة حتى آخر رمق. وحسنا فعل ورثته حين جمعوا “الحقيقة الضائعة” في كتاب، صدر جزؤه الأول مؤخرا، بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيله، كي لا تضيع أعمدته، وتتعرف عليه الأجيال الجديدة.
أعتقد أن مصطفى العلوي كان يفكر في نفسه عندما ألّف كتابه: “الحسن الثاني، الملك المظلوم”… لو كتبنا سيرة هذا الصحافي، الذي شاهد المغرب المستقل يولد ويحبو ثم يمشي ويتعثر ويسقط وينهض، لما وجدنا أفضل من هذا العنوان: “مصطفى العلوي، الصحافي المظلوم”…
لقد ظلمته السلطة، حين اعتقلته عدة مرات، ومنعت جرائده. كما ظلمه اليسار، أيام العمى الأيديولوجي، عندما كان المغرب بالأبيض والأسود، مقسما إلى “مخزن” و”معارضة”. كان من الصعب علينا وقتها، نحن الذين تربينا في “حزب القوات الشعبية”، أن نستوعب وجود صحافي مستقل عن السلطة وعن الأحزاب. وكانت الدعاية الرائجة في مقرات الحزب وجرائده تقول إن مصطفى العلوي ليس صحافيًا بل “مخبرا”. كنا نعتبر “الأسبوع” و”الأسبوع الصحفي” و”كواليس” مجرد منشورات بوليسية. مع الأسف، اكتشفنا “الحقيقة الضائعة” متأخرين، بعد انقشاع الأوهام، وسقوط الأقنعة. عرفنا أن الرجل كان صحافيا حقيقيا، اخلص للمهنة أكثر ممن كانوا يشوهون سمعته، ودفع الثمن من حريته أكثر من مرة.
“شات جي بي تي” و”الحقيقة الضائعة”!







