تواصل زكية الدريوش، كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري، إثارة الجدل في أروقة قطاع الصيد البحري من خلال حملة إعادة ترتيب البيت الداخلي للقطاع. فمنذ تقلدها المنصب، أطلقت سلسلة من القرارات التي شملت إزاحة أسماء بارزة وإعادة توزيع المسؤوليات بشكل يعيد رسم خارطة النفوذ داخل القطاع ويتيح إحكام سيطرتها عليه ووضع رجالاتها في المواقع الحساسة.
الدريوش، التي شغلت سابقاً منصب الكاتبة العامة لقطاع الصيد البحري خلال فترتي عزيز أخنوش ومحمد الصديقي، تبدو عازمة على التخلص مما يوصف بـ”مسامير الميدة” من المسؤولين المركزيين الذين اعتُبروا مقربين للوزير السابق. هؤلاء المسؤولون كانوا يتمتعون بسلطات واسعة، لا سيما مع تفويضات رسمية منحها لهم الوزير الصديقي خلال فترة ولايته.
وفي هذا السياق، أعلنت أخيرا زكية الدريوش عن فتح باب الترشح لعدد من المناصب العليا بالقطاع، والتي شملت مديريات ذات أهمية استراتيجية مثل الشؤون القانونية، التكوين البحري، الاستراتيجية والتعاون، مراقبة أنشطة الصيد البحري، والصيد البحري، إضافة إلى منصب الكاتب العام. هذه الخطوة، رغم أنها تبدو في ظاهرها مبادرة إدارية عادية، إلا أنها حملت في طياتها رسائل تتجاوز حدود المكاتب المكيفة إلى أروقة النقاش السياسي والاجتماعي.
الإعلان عن هذه المناصب، الذي كان حُدد له تاريخ الثالث من دجنبر كبداية لاستقبال الملفات وتاريخ العشرين من الشهر نفسه كآخر أجل للتقديم، جاء وسط ضغط زمني أثار أسئلة حول قدرة المرشحين على تحضير ملفاتهم بالشكل الذي يتناسب مع حساسية المناصب. هذه المواعيد، التي وصفتها مصادر مطلعة بـ”الضيقة”، أضافت أبعاداً أخرى للجدل حول ما إذا كانت هناك ترتيبات مُسبقة لملء المناصب بأسماء معينة.
ورغم ذلك، ترى أوساط مقربة من الوزارة أن هذه الدينامية هي جزء من توجه لإعادة ترتيب الأولويات في القطاع. إلا أن هذا الرأي لا يحجب القلق الذي يراود البعض من أن تكون العملية مجرد إعادة توزيع للأوراق داخل نفس الدائرة المغلقة من الأسماء.
وأضافت المصادر أنه خلف كواليس الوزارة، تدور همسات كثيرة حول المعايير التي ستُعتمد في اختيار المرشحين. ورغم تأكيد كتابة الدولة أن العملية ستتم وفقاً للضوابط القانونية والإدارية، إلا أن مصادر مقربة تحدثت عن ضغوط تمارسها لوبيات المصالح، سواء داخل القطاع أو خارجه، للتأثير على التعيينات.
المصادر ترى أن منصب الكاتب العام، على وجه الخصوص، يُعد مفتاحاً رئيسياً لتحريك خيوط اللعبة داخل الوزارة، بالنظر إلى دوره المركزي في التنسيق بين مختلف المديريات والإدارات. أما باقي المناصب، ورغم أنها تبدو تقنية الطابع، إلا أنها تظل أوراقاً رابحة لأي جهة تريد تعزيز نفوذها في قطاع استراتيجي كالصيد البحري.
وكانت الدريوش، مع توليها المسؤولية في التعديل الحكومي الأخير، قد باشرت عملية إعادة انتشار واسعة، حيث كان أحد أبرز القرارات إعادة مصطفى أوشكني إلى مندوبية أكادير، بعدما سبق أن طاله ما وُصف بتنقيل عقابي إلى ميناء المهدية. هذا القرار، الذي أثار استحسان المهنيين، اعتُبر بمثابة “رد اعتبار” للمندوب الذي واجه صراعات خفية بينه وبين الوزير السابق، حيث اتُخذ قرار تنقيله في ظل ضغوط مهنية وصراعات نفوذ.
كما أعادت الدريوش عبد الخالق السعيدي إلى مندوبية القنيطرة، التي كان قد نُقل منها سابقاً إلى أكادير.
ولم تتوقف قرارات الدريوش عند هذا الحد، فقد شهدت الأيام الأخيرة إعادة تعيين مصطفى أيت علا مندوباً للصيد البحري في سيدي إفني، بعدما عانى من ضغوط كبيرة خلال عمله بالعيون. أيت علا، الذي تعرض لمضايقات وصلت حد منعه من دخول مكتبه، يجد نفسه اليوم في موقع جديد، يبدو أنه محاولة لإعادة توازن العلاقة بين الوزارة والمصالح الإقليمية المتضررة.
ويواجه قطاع الصيد البحري، الذي يمثل رافعة اقتصادية مهمة، اكراهات كبيرة مرتبطة بتدبير الثروة السمكية، مراقبة أنشطة الصيد غير القانوني، وتنفيذ التزامات المغرب الدولية في مجال الاستدامة البيئية. ومع هذه التعيينات المرتقبة، يُنتظر من المسؤولين الجدد تقديم إجابات ملموسة عن العديد من الإشكاليات، بعيداً عن الحسابات السياسية أو الترضيات الإدارية.







