منذ أن شهدت منطقة الساحل تحولات سياسية عميقة مع صعود المجالس العسكرية إلى السلطة في مالي، النيجر، وبوركينا فاسو، بدا أن الجزائر، التي لطالما اعتُبرت لاعبًا رئيسيًا في المنطقة، فقدت تأثيرها لصالح المغرب.
وفقًا لتقرير نشرته مجلة “جون أفريك” الفرنسية، فإن الرباط استغلت الفراغ الدبلوماسي الذي خلفه التراجع الجزائري لتعزيز حضورها الإقليمي في الساحل، معتمدة على استراتيجية متعددة المحاور.
الجزائر.. تراجع دبلوماسي وفقدان الحضور
يشير التحليل، الذي قدمه فرانسوا سودان، مدير تحرير “جون أفريك”، عبر إذاعة فرنسا الدولية (RFI)، إلى أن الجزائر كانت على مدى أربعة عقود محور السياسة الجيوسياسية في الساحل. لكنها اليوم تعاني من “عجز واضح في صورتها ونفوذها”، وذلك منذ أن ألغت السلطة العسكرية في مالي، بقيادة “أسيمي غويتا”، اتفاقات الجزائر التي كانت حجر الزاوية للسياسة الجزائرية في المنطقة.
التوترات بين الجزائر ومالي تفاقمت بشكل كبير، خاصة مع قضية الجماعات المسلحة الطوارقية. وفيما تعتبر الحكومة المالية هذه الجماعات “إرهابية”، تراهم الجزائر “شركاء ضروريين لأي عملية سلام”، حيث تُوفر الجزائر ملاذًا لبعض قادتهم، إلى جانب استضافتها للإمام ديكو، المعارض البارز للمجلس العسكري المالي.
المغرب.. صعود دبلوماسي ومرونة سياسية
على النقيض، يشير التقرير إلى أن المغرب اعتمد سياسة مرنة تجاه التحولات السياسية في الساحل، حيث امتنع عن إدانة الانقلابات العسكرية وأظهر تفهمًا للمواقف السيادية التي تبنتها هذه الأنظمة. هذا النهج، وفقًا لسودان، ينسجم مع سياسة “المغرب أولًا” التي يتبناها الملك محمد السادس.
وعلى الصعيد العملي، نجح المغرب في ترسيخ حضوره الإقليمي من خلال بناء علاقات اقتصادية وسياسية متينة مع دول تحالف الساحل (AES). ويبرز التقرير ثلاثة محاور أساسية اعتمدها المغرب لتعزيز نفوذه في المنطقة. يتمثل المحور الأول في توفير بدائل اقتصادية عبر مبادرة الأطلسي، التي أتاحت للدول الحبيسة منفذًا بحريًا استراتيجيًا بديلًا عن موانئ الإيكواس. أما المحور الثاني، فيتجلى في دور المغرب كوسيط بين دول الساحل والمستثمرين الماليين من دول الخليج، مستثمرًا في تعزيز التعاون المالي والاستثماري. ويكمل المحور الثالث هذه الجهود، حيث يعمل المغرب على توطيد الروابط الأوروبية من خلال التوسط بين دول الساحل والدول الأوروبية، ما يرسخ موقعه كجسر استراتيجي بين القارتين ويعزز حضوره كلاعب رئيسي في المنطقة.
توازنات جديدة في المنطقة
التقرير يشير إلى أن هذه التحركات جعلت المغرب في موقع متقدم لتعويض الفراغ الذي تركته الجزائر. واستشهد بمشاركة وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في اجتماع مع نظرائه من دول الساحل بمراكش يوم 23 ديسمبر 2023، كدليل على الجهود المغربية لتعزيز الروابط الدبلوماسية مع هذه الدول.
قراءة مستقبلية
وبينما تواصل الجزائر فقدان نفوذها في المنطقة بسبب المواقف المتصلبة تجاه المجالس العسكرية، يبدو أن المغرب قد نجح في تقديم نفسه كبديل استراتيجي يعتمد على الدبلوماسية الاقتصادية والمرونة السياسية. هذا التغيير في موازين القوى يعكس تحولًا أعمق في ديناميكيات الساحل، مما يضع المغرب في موقع أقوى لتعزيز حضوره الإقليمي والدولي.







