في البلدان التي تحترم مواطنيها، تشكل مرحلة التقاعد انطلاقة جديدة في الحياة، يتمتع فيها الإنسان بوقته، ويحقق مشاريعه المؤجلة، ويسافر عبر العالم، ويمارس بعض الهوايات التي كان محروما منها بسبب العمل، لذلك تجد الناس ينتظرون بفارغ الصبر سنّ التقاعد كي يبدأوا حياتهم الجديدة. أما في البلدان التي لا تفرق بين المواطن والكلب، يعتبر التقاعد نهاية المشوار، قاعة انتظار قبل الرحيل، يصبح خلالها الإنسان عالة على الأسرة والمجتمع والدولة، وعلى نفسه. يلعب الضاما ويضرب النفحة وينتظر عزرائيل. ولعل أحد أهم مؤشرات تقدم البلدان، يختزله وضع المتقاعدين وكبار السن.
الشيخوخة مستقبل الجميع. الناس يدركون ذلك في الدول المتقدمة، خصوصا بعد أن قفز معدل العمر الى ما يناهز الثمانين، لذلك يعملون على تحسين شروط عيش المتقاعدين، ويعتبرون أي مسّ بحقوقهم، اعتداء ضمنيا على كل الشرائح، بمن فيهم الكهول والشباب والأطفال، لأنهم متقاعدو المستقبل.
في المغرب، لا يعني التقاعد إلا من تجاوزوا الستين. يكفي أن تتأمل وجوه من خرجوا الأحد الماضي للمطالبة بتحسين ظروف عيش المتقاعدين كي تقف على هذه الحقيقة المؤسفة. خلال التظاهرة التي دعت إليها “هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب”، لم يكن أمام البرلمان إلا رجال خرط الشيب رؤوسهم وخربشت التجاعيد وجوههم. واضح أن معركة المتقاعدين يخوضها المتقاعدون وحدهم، رغم أنها تمسّ جميع العاملين في القطاع العام والخاص، أيا كانت أعمارهم. المتقاعدون يحتجون على جمود المعاشات مقابل غلاء المعيشة. من غير المعقول ألا تتحرك معاشاتهم في وقت حطم فيه التضخم أرقاما قياسية!
لكن ماداموا وحدهم من يدافع عن هذه المطالب، من الصعب أن تجد طريقها إلى التنفيذ، ولن تجد الحكومة صعوبة في تمرير الإصلاحات التي تريد، في غياب قوة ضغط جدية تجبرها على التفاوض.
وزيرة المالية أعلنت قبل أيام، تحت قبة البرلمان، أن الحكومة بصدد تحضير مشروع إصلاح نظام التقاعد، مؤكدة أنها ستقترح إطارا لذلك خلال الشهر الجاري. الإصلاح يخلخل معادلة صعبة، تخلق توازنا بين نسبة الاقتطاعات ومدتها وقيمة المعاشات وسن التقاعد، الذي يبدو أنه سيرتفع إلى 65 عاما… في انتظار موقف النقابات وفيدرالية أرباب المقاولات وبقية القوى التي ستنخرط في النقاش.
المؤكد أن إصلاح نظام التقاعد لم يعد يقبل التأجيل. بعد ثلاث سنوات ستفلس الصناديق رسميا. منذ مدة والعجز يتفاقم، والاحتياطي يتناقص، وإذا ما استمر الحال كما هو عليه، في ديسمبر 2027 سوف يصرف آخر درهم في صناديق التقاعد، ويعلن الإفلاس. حينها، كي تصل إلى الناس معاشاتهم نهاية الشهر، سيصبح لزاما علينا تدبر مبلغ 14 مليار درهم في السنة، مليار ينطح مليار. الثقب قديم، وقد توسع مع مرور السنوات، ولم تستطع الحكومات المتعاقبة فتح هذا الورش الملغوم، لأن عواقبه السياسية مفتوحة على كل الاحتمالات.
أحد أسباب الأزمة السياسية التي تعيشها فرنسا اليوم هو إصلاح نظام التقاعد. لم يستطع المشروع الذي اقترحته الحكومة أن يحقق الإجماع، وخرجت تظاهرات جرارة في كل أنحاء البلاد، تحتج على تمديد سن التقاعد الى 64 بدل 60. لقد أدى إصلاح نظام التقاعد في فرنسا الى استقطاب حاد داخل المجتمع، بين عقلية يمينية تريد تمديد سن العمل تماشيا مع التغيرات الديموغرافية، وأخرى يسارية، ترفض استغلال العمال الى أرذل العمر من طرف الرأسمال. المعركة كانت طاحنة وطويلة، حيث اعتبر الجميع نفسه معنيا بالقضية، وشارك فيها الشباب بكثافة. في النهاية، لم تتمكن الحكومة من ربح المعركة في البرلمان، واضطرت الى تمرير القانون بلا تصويت، مما عمق الاحتقان السياسي، وأدى فيما بعد إلى حلّ الجمعية الوطنية، لتدخل فرنسا في أزمة غير مسبوقة، حيث لم تعد الحكومة تعمر فيها أكثر من ثلاثة أشهر!
في المغرب، لا أحد يعول على البرلمان أو الحكومة في الدفاع عن حقوق المتقاعدين، ولا على النقابات. لذلك طالبت “هيئة المتقاعدين المدنيين بالمغرب” خلال تظاهرة الأحد بإحداث تمثيلية للمتقاعدين داخل مجلس المستشارين على غرار التنظيمات النقابية. ما حك جلدك مثل ظفرك. كما دعت إلى إنشاء مندوبية سامية للمتقاعدين على غرار المندوبية السامية لقدماء المحاربين، وكلها مطالب مشروعة تستحق النقاش.
المشكلة في المغرب أن كثيرين يعتبرون أنفسهم غير معنيين البتة بالتقاعد كي يهمهم إصلاحه، إما لأنهم شباب لا يفكرون إلا في الحاضر، أو لأنهم غير مسجلين أصلا في صناديق التقاعد، وتلك قصة أخرى.
في انتظار أن نصل إلى يوم تتحمل فيه الدولة مسؤوليتها أمام المواطن، وتصرف لكل من بلغ سن التقاعد معاشا يمكّنه من العيش الكريم، حتى وإن لم يكن مسجّلا في صناديق التقاعد، يحصل على حدّ أدنى كي يعيش، لأن الوطن الحقيقي هو الذي يتسع لجميع أبنائه، ولا يتخلى عنهم عندما يكبرون في العمر. الاقتراح ليس طوباويا، ويمكن ترجمته عمليا بالأرقام، يكفي أن تتوفر الإرادة السياسية وتُرتَّب الأولويات بشكل يجعل الإنسان في قلب معادلة النمو والتقدم.







