خرجت النقابات عبر بلاغات معزولة بقرار تنفيذ إضراب عام وطني في القطاع العام والخاص، بعد مخاض عسير وعملية قيصرية لا تزال أعراضها الجانبية تتفاعل بسبب التردد، لتلعب بذلك آخر ورقة لها في مواجهة حكومة شرعت في العد التنازلي لولايتها.
وبغض النظر عن موضوعية الأسباب التي قدمتها النقابات للدعوة إلى التصعيد، فإن الأكيد أن حالة الملل والإحباط التي أصابت عموم المغاربة من السياسة والسياسيين ستصب حتما في جانب الحكومة، ما يهدد بحرق الورقة الأخيرة للنقابات. علماً أن الموعد الذي ورطت فيه النقابات نفسها سيجعلها غير قادرة على خلق تعبئة حقيقية تعبد الطريق لإنجاح الإضراب بشكل يبعث رسائل حقيقية للحكومة وللدولة بأن صوت النقابات لا يزال مسموعًا، وأن نزع فتيل الاحتقان الاجتماعي أصبح مستعجلاً، بدلاً من الهرولة بشكل غير مدروس نحو تطبيق تعليمات المؤسسات المالية الدولية، وتغليب كفة التوازنات المالية على كفة السلم الاجتماعي.
إضراب دون أنياب
في الماضي، كان قرار الإضراب العام يربك الدولة التي كانت تستنفر أجهزتها وتستعد للأسوأ، مستحضرة ذكريات إضرابات عامة كانت برائحة الدم والرصاص، ولا تزال تفاصيلها المؤلمة عالقة بذاكرة المغاربة، لكن الوضع تغير اليوم.
حينها كان لبعض الأحزاب وزن، ولبعض النقابات التي تدور في فلكها نفس الوزن في الشارع، كما كان خطابها قريبًا من لغة وفهم ملايين المغاربة من العمال والطلبة والمسحوقين اجتماعيًا، ممن كانوا يُضربون عن عمد واقتناع، لينضم إليهم نسبة مهمة كانت تشارك عن غير قصد مخافة أن يتحول الإضراب إلى انتفاضة وأعمال عنف تسيل فيها الدماء، وتزهق فيها الأرواح، كما حدث في سنة 1981 مع من وصفهم إدريس البصري وزير الداخلية الأسبق دون حرج بـ”شهداء الكوميرا”، إلى جانب ضحايا الإضراب العام لسنة 1990.
أما الآن، ورغم أن بعض الرموز النقابية التي صنعت هذه الأحداث لا تزال تمسك بدفة القيادة، فإن مياه كثيرة جرت فوق الجسر وتحته، بعد أن وهنت الأحزاب، والتحقت بها النقابات التي بهت تأثيرها على المغاربة، وفقدت قدرتها على التعبئة، كما أصبح وضعها لا يختلف كثيرًا عن وضع زعمائها الصحي، الأمر الذي جعل الحكومة المستقوية بأغلبيتها وبحالة الخمول الشعبي لا تحفل بتهديداتها، بل وتعتبر أن قرارات الإضراب التي تدعو إليها النقابات هي مجرد هدية مجانية لقياس مدى شعبية الحكومة في الشارع، من خلال قلب نسب المشاركة الضعيفة في معارك النقابات إلى معدل تأييد واسع لها ولقراراتها.
آخر ورقة
قيادي نقابي لم يخف أن الدعوة لقرار الإضراب العام الوطني كانت ضرورية من أجل إنقاذ ماء وجه النقابات التي خانتها سرعتها، لتجد نفسها عاجزة عن مواكبة سلسلة من القرارات الشعبية التي اتخذتها الحكومة مستفيدة من اختلال ميزان القوى مع أحزاب المعارضة، ومن حالة التشرذم النقابي، وضعف التجاوب والتعبئة وحالة الصمت الشعبي.
ذات القيادي لم يتردد أيضًا في التأكيد على أن الهدف الأقصى المرجو من قرار الإضراب الآن هو إجبار الحكومة على استقبال النقابات وإجراء الحوار بغض النظر عن نتائجه، وهو كلام يحمل نسبة كبيرة من الصدق والواقعية، أخذاً بعين الاعتبار العمر المتبقي للحكومة.
هذا الحديث يكشف أيضًا أن النقابات أصبحت مغلوبة على أمرها، بل وتلقت صفعة قوية في صمت مطبق وهي تنظر كيف بادرت الباطرونا لطرز ملامح مشروع قانون إضراب على مقاسها، قبل أن يحين الدور على تأسيس تنسيقيات مستقلة أصبحت تمثل تهديدًا وجوديًا للنقابات الغارقة في المؤامرات الداخلية وتصفية الحسابات وحروب “المماليك” حول الزعامة.
الحكومة “مرتاحة”
ورغم أن النقابات أعلنتها معركة وجود، ورفعت شعار “إما نكون أو لا نكون” بعد إعلانها عن قرار الإضراب العام، فإن الحكومة لم تتأخر في الرد عن طريق الصمت، وبطريقة لا تخلو من استخفاف بهذه الخطوة.
هذا الصمت يسقط عن النقابات أهم نقطة كانت تعول عليها لخلق التعبئة وإنجاح إضرابها العام، علمًا أن باقي المطالب التي قدمتها بعيدًا عن مشروع قانون الإضراب تبقى مجرد مطالب مجترة، ومجرد حشو نضالي باعتبارها تنطوي على التزامات وتحملات مالية سيستحيل تفعيلها بالنظر إلى المدة المتبقية من ولاية الحكومة، التي لن تورط نفسها في اتفاق قد تكون مجبرة على تطبيقه في حال تجديد الثقة فيها من خلال صناديق الاقتراع. وبالتالي، فإن هامش التحرك والمناورة ضاق على النقابات دون أن تبدي الحكومة أي مشاعر اجتماعية، قبل أن يحين الدور على قرار إضراب عام جديد قد ترتد نتائجه على النقابات التي أصبحت مهددة بفقدان ما تبقى لها من رصيد في مهام الوساطة في حال فشله بشكل كبير.
هذا المعطى سيفتح أيضًا في حال حدوثه المجال مشرعًا لاحتجاجات غير مؤطرة أو من خلال تنسيقيات تحركها الانفعالات وردود الفعل ولا تتقن الفعل التفاوضي، وهو الخطر الذي لن ينحصر ضرره في النقابات بل سيمتد إلى الحكومة التي ستجد نفسها في مواجهة احتجاجات خارجة عن السيطرة ومنفلتة من لعبة الربح والخسارة.







