عناوين مثيرة وفضائح خطيرة تجرُّ عشرات المتابعين بتهم ثقيلة إلى غرف التحقيق وقاعات المحاكم. هكذا تنطلق ملفات الفساد في المغرب، قبل أن تتحول بعد سنوات إلى قضايا تغرق في النسيان بسبب تأجيلات لا تنتهي.
كما يحدث في حالات كثيرة، أن تنتهي هذه القضايا غالبًا بإطلاق سراح دائم مغلف بالمؤقت لمتهمين من عيار خاص. وفي أحيان أخرى، تصدر أحكام بالبراءة تلغي ما سبق من إدانة بالسجن النافذ، ما يفتح المجال لتساؤلات كثيرة حول المسؤول عن توظيف القضاء في ملفات الفساد، ومن المسؤول عن تكريس الإفلات من المحاسبة.
يرى عدد من المتتبعين أنه من الإجحاف تحميل القضاء وحده مسؤولية التعامل بيد ناعمة مع ملفات الفساد المالي، بحكم أن الأمر مرتبط بالأساس بغياب الإرادة السياسية لدى الحكومة التي يتعين عليها أن تتحلى بالجرأة لإحالة جميع الملفات المرتبطة بالمال العام على القضاء، مع رصد جميع الثقوب التي يمكن أن يتم استغلالها من أجل تمطيط أو تمييع المحاكمات كما هو حاصل حاليًا. وهذه الإرادة تبقى غائبة، وهو ما تكشفه بوضوح طريقة التعاطي مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات مع شكايات جمعيات وهيئات حماية المال العام.
وبالعودة للمسار القضائي منذ سنة 2000 وهي السنة التي عرفت إحالة مجموعة من الفضائح المالية التي تشكلت بشأنها لجان تقصي الحقائق الى العدالة وعلى رأسها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الذي انتهى بحكم جد مخفف مع وقف التنفيذ ، نجد أنه مسار بطئ جدا حيث أن تلك الملفات لا زالت في رفوف المحاكم، لتضاف إليها ملفات ساخنة لازالت في مراحل البحث منذ سنة 2015، كالبرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم.
في هذا السياق، قال محمد المسكاوي، رئيس الشبكة المغربية لحماية المال العام، إن غياب الإرادة السياسية هو ما شجع البعض على توظيف القضاء بشكل مكشوف من أجل التحكم في مسار بعض المتابعات، إما بإغراقها في سلسلة من التأجيلات، أو بإصدار قرارات براءة وإدانة تطرح الكثير من الأسئلة، دون أن يتم في جميع الأحوال استرجاع مئات الملايير من الأموال التي نهبت أو اختلست أو بددت.
وقال المسكاوي إن بعض هذه الأحكام كما حصل في ملف التعاضدية العامة لموظفي الإدارات العمومية “تعد تراجعًا خطيرًا عن التزامات المغرب فيما يخص محاربة الفساد، ما يجعلنا نتوجس بشأن مصير الملفات الرائجة بالمحاكم، خاصة تلك التي وضعنا بشأنها شكايات، وأبرزها البرنامج الاستعجالي للتعليم الذي يهم مصير آلاف من التلاميذ، وملف رشوة قضاة بطنجة من طرف محامين”.
والواقع أن حكاية محمد الفراع و117 مليار التي قيل إنها بددت تختصر طريقة تعاطي القضاء المغربي مع ملفات جرائم الأموال، التي غالبًا ما تختلط فيها رائحة السياسة بتصفية الحسابات، والتدخلات والهواتف، وبمد وجزر يختلف حسب طبيعة التحالفات التي تقود الحكومة.
وليس ملف الفراع وحده من يكشف أن ملفات جرائم الأموال أصبحت تحظى بتعامل استثنائي يتجاوز النصوص القانونية في بعض الأحيان، بل هناك ملفات كثيرة متراكمة، يبقى أبسطها ملف توفيق الابراهيمي الذي انطلق بتهم من العيار الثقيل، منها “تكوين عصابة إجرامية للإعداد لتخريب منشآت موانئ وبواخر والمس بسلامة أمن الدولة الداخلية”، قبل أن تختفي التهم الثقيلة تباعًا ويصبح الإبراهيمي، كما هو الشأن بالنسبة لعليوة، خارج السجن.
هذا الوضع هو ما جعل بعض الأصوات تطالب بالتعامل مع ملفات الفساد المالي بنفس الصرامة التي يتم التعامل بها مع ملفات الإرهاب.
هذه الدعوات تجد سندها في أرشيف تعاطي العدالة بالمغرب مع جرائم الأموال، والذي يؤكد في مجمله أن القضاء عوض أن يعمل على الحد من الظاهرة، شجع الكثيرين على دخول نادي لصوص المال العام من أوسع أبوابه، وهو ما تكشفه بوضوح عدد من المحاكمات التي شهدتها السنوات الأخيرة والتي انتهت بأصحابها خارج السجن بعد أن عاشوا فترات اعتقال قصيرة للتغطية على صك الاتهام الثقيل الذي وجه إليهم.
كما أن طبيعة تعامل القضاء مع جرائم المال العام هي ما يفسر عدم تسجيل المغرب لأي تقدم في التقارير التي تبسطها عدد من المؤسسات والهيئات الوطنية والدولية، كما ورد في التقرير الأخير لمنظمة “ترانسبارنسي” وهيئة الوقاية من الرشوة.







