يعيش قاموس السياسة، الفقير أصلا، أتعس فترات استعماله في بلادنا. تسلل الملل إلى أحزاب الحكومة وحتى إلى بعض أحزاب المعارضة. وظهرت إلى الوجود، في مفهومه الاستعراضي، خطابات تكاد تجمع على فهم موحد لمفاهيم، أو لنقل كلمات مثل: “ما هو الفساد وأين يوجد”، و”من هم المضاربون وكم عددهم”، و”استمرار الدولة الاجتماعية ” و”نزع الملكية من أجل مصلحة عمومية” و”هدم أحياء في إطار التراضي من أجل عاصمة جميلة”. وغابت من المواقف والخطابات كلمات “الاحتقان الاجتماعي” والشفافية والتواصل مع المواطن” و”استمرار غياب العدالة الاجتماعية والمجالية”.
ولا زالت قنوات الإعلام الرسمية وكثير من مشتقاتها “الخاصة والمستقلة” وفية لنهج طمس النقد البناء والإيجابي وتفضيل تقديم رأي واحد بدل نهج أسلوب موضوعي في التعاطي مع الحدث عبر صياغة الخبر والتعليق عليه بحرية مسؤولة وموضوعية. وفي البدء والنهاية لا يليق ببلادنا، التي تتميز بمواطنيها المحبين لوطنهم وكل مقدساتهم، أن يتكلم مسؤول عن مشاكل حقيقية كغلاء الأسعار وسوء الولوج إلى العلاجات ويعتبر من يثير انتباه الحكومة إلى قصور عملها مشوشا وباحثا عن ” البوز” ومروجا لأخبار زائفة. وهذا من أسباب الاحتقان.
أصبحت كل أحزاب الأغلبية داخل مضمار السباق من أجل الظفر بمعركة الخطاب حول المضاربين وعلاقتهم المباشرة بكل ما أصاب المغاربة في جيوبهم وكل الاعطاب التي لحقت بالمنافسة و” بقانون العرض والطلب. قيل أن عدد المضاربين والمستفيدين من أموال الشعب لاستيراد اللحوم لا يتعدى 18 مضارب. أما أعداد “الشناقة” في أسواق السمك والدواجن والخضر والفواكه، فتبدو أنها عصية على قدرة أصحاب السلطة والقرار. قيل أن عددهم في مجالات الأدوية والغازوال والبنزين لا يتجاوز العشرة. وتزداد أعداد المستشفيات الخاصة التي تعتمد بشكل مهم، في تقديم العلاجات، على أطر قادمة من المستشفى العمومي. وتغزو إشهارات هذه المؤسسات قنوات التلفزيون لتبين كثافة تواجدها الجغرافي وتعدد اختصاصاتها، ويتساءل المواطن عن أعداد الأطباء الذي يتناسب فعليا مع عرضها الصحي. ولا يخفى على الجميع أن العجز الحاصل في الأطباء والاطر الصحية كبير جدا في بلادنا، وخصوصا في المستشفى العمومي، ويتجاوز 8000 طبيب وأكثر من 20000 ممرض، وهذا من أسباب الاحتقان.
ثلاثة أحزاب تشهر في وجه بعضها البعض سلاح سؤال “أين المضاربين”. ولا نجد جوابا لديهم. يريد المواطنون المساهمة في البحث عن هؤلاء “الجناة ” في حق قدرتهم الشرائية، ولكن الحكومة تعتزم إقفال باب الترافع المجتمعي لفضح الفساد. قيل إن وزير العدل أقسم أن يحمي كل المنتخبين ويدافع عن الممارسين لمهام تتعلق بالشأن العام. ولن يتأتى هذا إلا بسد الطريق قانونيا على المجتمع لكيلا يصل إلى القضاء. يحدث هذا في المغرب الذي أدخل إلى دستوره الحق في ممارسة الديمقراطية التشاركية وشجع على المبادرات المواطنة. يقسم وزير العدل على أن يقف المجتمع معزولا ومجرد متفرج أمام تفاقم مظاهر الفساد. جمعيات محاربة الفساد والحفاظ على المال العام ليست هي من أدخلت عشرات المسؤولين السياسيين إلى السجن. هذه الجمعيات ليست كلها على صواب في مرافعاتها، ولكن ما يقوم به، الكثير منها، يعبر عن إيمان بدور القضاء في بث الثقة في النفوس وحماية المؤسسات بدل حماية أشخاص قد يشتبه في ارتكاب أعمال تدخل في مربع الفساد. وهذا من أسباب الاحتقان.
لقد افرغت هذه الحكومة كثيرا البرامج القطاعية من أهدافها الإستراتيجية. واستماتت من أجل أن يظل الاحتقان الإجتماعي معيارا لفرض اختياراتها. تجمد منسوب قدرتها في الإصلاح بسبب رفضها للحوار مع طلبة الطب والأطباء وكل العاملين بالقطاع وأساتذة التربية الوطنية عبر تنسيقيتاهم ونقاباتهم. ضاعت شهور من عمر مسار دراسي أو تكويني وغادر وزراء الحكومة بدون محاسبة. وهذا هو شأن ومآل ” تبليص” من لا تكوين سياسي له ولا تجربة ولا كفاءة مهنية. ويزداد إيقاع كلام أحزاب الحكومة عن المضاربين والفساد دون أية تدابير عملية تعيد لصندوق الدولة ما تم دفعه لمن تسببوا في حمى الأسعار من منح وامتيازات ضريبية وجمركية. ماذا يمكن فعله أمام إضراب الحكومة عن أداء مهامها قبل أسابيع من دخول قانون الإضراب حيز التنفيذ بعد قبوله من طرف المجلس الدستوري. وهذا من أسباب الاحتقان.
تقف الحكومة واحزابها بعيدة بمسافة كبيرة أمام العوائق المحيط بالتغطية الإجتماعية في ظل مؤشرات تشكك كثيرا من المواطنين في مشروع إستراتيجي. وتقف على مسافة أمام تنفيذ قرارات بالهدم طالت بعض أحياء الواجهة البحرية للعاصمة. عاشت عائلات كانت تعيش على الهشاشة محنة البحث عن كراء بيت في شهر رمضان وموسم أمطار الخير. الدولة الاجتماعية هي التي تتواصل وتبحث عن الحلول قبل البدء في الهدم. لم تعارض ساكنة تلك الأحياء مشروع تغيير الشكل المعماري والعمراني ولكنها كانت تحتاج إلى دعم وزمن كاف لإيواء الأبناء والأمهات وذويهم المسنين. ويعتبر هذا الكلام تشويشا وكذبا لدى من يخلط بين نزع الملكية من أجل توسيع الطرق وهدم لمنازل من أجل أسباب أخرى. اعتبرت عمدة مدينة الرباط أن تصريح زميلها في المجلس عن اليسار الاشتراكي الموحد غير ذي قيمة، وقالت أنها “تترفع عن الإجابة”. لا يدري من أجبر على مغادرة بيته هل هذا “ترفع” أم ” تكبر”. وهذا من أسباب الاحتقان.
لقد حان الوقت لاتخاذ إجراءات سياسية استباقية لنزع فتيل الاحتقان. لقد بنى المغرب بنيات كبرى ولا زالت الدولة، في أعلى تجلياتها، تفتح الأوراش من أجل أن يتم خلق الثروة مع ضمان توزيع عادل لمكوناتها مجاليا وإجتماعيا. لهذا ولأسباب تتعلق بضرورة إعطاء مضمون عملي لتخليق الحياة السياسية، يجب أن يمنع العمل السياسي المتعلق بالجماعات الترابية والبرلمان وعضوية الحكومة على كل مفتقد للتجربة المهنية والكفاءة الفكرية والأخلاقية وتقديس خدمة الشأن العام. “قل لي من أين لك هذا، أقول لك من أنت “. لدى المجلس الأعلى للحسابات أكبر أرشيف يتكون من تصاريح بالممتلكات لمئات من المسؤولين، من ضمنهم من يوجدون قيد الاعتقال لأسباب تتعلق بالفساد. لقد حان وقت المحاسبة التي تعيد الثقة في النفوس وتبعد الاحتقان الاجتماعي.
صناع الاحتقان وكرههم للشفافية والتواصل







