رغم مرور سنوات على صدور الأحكام النهائية، إلا أن ملف بلعيرج، الذي غادر سجن الأوداية ليلة أمس بعد عفو ملكي، يظل لغزًا وعلامة فارقة في تاريخ القضاء، بفعل الأجواء التي أحاطت بالمحاكمة، والتهم والتفاصيل الخطيرة التي حبلت بها المحاضر.
ملف طُوي جزئيًا قبل سنوات بالعفو عن المعتقلين السياسيين، فيما وجد اسمان بارزان ضمن هيئة الدفاع نفسيهما لاحقًا في مناصب المسؤولية.
الأول هو محمد الصبار، الذي تولى الدفاع عن بلعيرج بعد أن جرب عدة محامين من بينهم محامٍ كاد أن يخنقه بقبضته.
الصبار عين أمينًا عامًا للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، أما الشخصية الثانية فهي مصطفى الرميد، الذي تولى حقيبة ثقيلة اسمها وزارة العدل ضمن حكومة بنكيران بعد أن كان ضمن هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيين.
مصادر كانت قريبة جدًا من هذه القضية أكدت أن جزءًا من المعلومات التي تم الإعلان عنها فيما بعد، كانت جاهزة منذ مدة، في إطار ما سمته بتقنية البصري، في إحالة على وزير الداخلية الراحل الذي كان يتعامل مع عدد من المسؤولين المشبوهين من خلال الاحتفاظ بملفات جاهزة قد تعصف بهم في أي وقت.
وقالت ذات المصادر إن هذه المعلومات كانت تنتظر اللحظة المناسبة من أجل إخراجها في إطار ملف متكامل، لكن تسريب خبر منع المرواني والمعتصم من السفر بعد وضعهما في القائمة السوداء، عجل بإخراج هذه القضية للوجود مع نواقص كثيرة، خاصة وأن الوقائع التي كشفت عنها التحقيقات يعود بعضها إلى سنة 1978.
بداية الحكاية
بدأت هذه الحكاية التي قال أحد المعتقلين السابقين فيها إن رموزها لن تفك إلا في حالة حل قضية اغتيال كينيدي، في شهر فبراير من سنة 2008، بعد الندوة الصحفية التي عقدها وزير الداخلية السابق، شكيب بنموسى، والتي أعلن من خلالها عن تفكيك شبكة إرهابية بعد اعتقال 32 شخصًا “تبث” أن لهم علاقة بخلية يترأسها عبد القادر بلعيرج الذي يلقب بـ “إلياس” و”عبد الكريم”.
وزير الداخلية، الذي حرص على قراءة مضمون البلاغ ببطء شديد من أجل التأكيد على خطورة المعلومات التي يتوفر عليها، أضاف أن زعيم هذه الخلية تشبع بأفكار التنظيمات الراديكالية الإسلامية، ومنها الإخوان المسلمون الذين أصبحوا لاحقًا على رأس السلطة في مصر، وكذا الطلائع الإسلامية وحزب التحرير الإسلامي، وأنه سعى إلى تأسيس شبكة إرهابية بمدينة طنجة والدار البيضاء، بتنسيق مع القاعدة والجماعة الإسلامية المقاتلة.

وانتقل بنموسى إلى إلقاء مفاجأة من العيار الثقيل بعد أن أعلن أن التحقيقات الأولية مع الأشخاص الذين تم اعتقالهم مكنت من تأكيد التورط المباشر لعناصر قيادية داخل حزب البديل الحضاري، وجمعية الحركة من أجل الأمة، ليتم اعتقال كل من مصطفى المعتصم الأمين العام لحزب البديل الحضاري، ومحمد أمين الركالة الناطق الرسمي باسم الحزب، ومحمد المرواني، وعبد الحفيظ السريتي عن الحركة من أجل الأمة، إضافة إلى العبادلة ماء العينين عضو حزب العدالة والتنمية وحميد نجيبي عضو الحزب الاشتراكي الموحد.
وأشار بنموسى إلى أن هذه الشبكة سعت إلى تنفيذ عمليات إرهابية بالأسلحة النارية والمتفجرات، واغتيال شخصيات مغربية بارزة ضمنها وزراء ومسؤولون وضباط سامون بالقوات المسلحة الملكية، إضافة إلى تنفيذ سلسلة اغتيالات في حق بعض المواطنين المغاربة المعتنقين للديانة اليهودية.
وأشار إلى أن التحريات التي قامت بها الشرطة القضائية مكنت من تحديد مصدر تمويل شبكة “بلعيرج”، التي تأتي أساسًا من السطو المسلح، وإخفاء الأشياء المسروقة والمساهمات المباشرة لأعضاء في التنظيم الإرهابي.
أسلحة إسرائيلية
وفق الرواية الرسمية، عملية السطو المسلح التي نفذت سنة 2000 بالمقر المركزي لمؤسسة “برينكس” في “اللوكسمبورغ”، من لدن أحد أعضاء شبكة “بلعيرج”، وبتواطؤ مع لصوص أوروبيين محترفين، والتي يقدر حجم المبالغ المسروقة خلالها بـ 17 مليون أورو، مكنت هذا التنظيم الإرهابي من إدخال ما قيمته 30 مليون درهم إلى المغرب سنة 2001.
وقد تم توظيف هذه المبالغ بهدف تبييضها في مشاريع سياحية وعقارية وتجارية في عدة مدن مغربية حسب ذات الرواية.
وحتى تكتمل الصورة، تم عرض الأسلحة المحجوزة، والتي تضم ترسانة مكونة من 11 بندقية رشاشة من نوع “كلاشينكوف” و “أوزي” الإسرائيلية الصنع، و23 مسدسًا من أنواع مختلفة، وفتيلة، ومفجرين وعبوتين بهما مواد كيماوية لشل الحركة، وهي الأسلحة التي أشارت التحقيقات إلى أنها أدخلت إلى المغرب ما بين سنة 1993 و 2000.

وتوزعت العقوبات التي طالبت النيابة العامة بتطبيقها في حق المتهمين في ملف بليرج بين الإعدام و11 حكما بالمؤبد، إضافة إلى الحكم على متهمين اثنين بـ25 سنة.
فيما تراوحت باقي العقوبات ما بين 20 وسنة واحدة حبسا نافذا، حيث التمس ممثل الحق العام الحكم إعدام عبد القادر بليرج المتهم الرئيسي في الملف، بعد أن أشار إلى دوره في ست عمليات اغتيال استهدفت عددا من الأشخاص ببلجيكا، وكذا قيامه بمد الجناح العسكري لهذا التنظيم بالأسلحة والتمويل.
فيما طالب بالمؤبد في حق كل من مصطفى المعتصم، الأمين العام لحزب البديل الحضاري المنحل، ومحمد المرواني، الأمين العام لحزب الأمة غير المرخص له، إضافة إلى محمد أمين الركالة، الناطق الرسمي باسم حزب البديل الحضاري.
كما طالب25سنة في حق العبادلة ماء العينين، عضو حزب العدالة والتنمية وعبد الحفيظ السريتي، مراسل قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني لدوره في استقطاب أعضاء جدد للتنظيم، والترويج للنموذج الإيراني، والتمست النيابة العامة إدانة حميد نجيبي، عضو الحزب الاشتراكي الموحد بـ8 سنوات سجنا نافذة.
بليرج والبصري
الجميع انتظر اللحظة التي يأخذ فيها عبد القادر بليرج الكلمة حتى يفتح علبة أسراره، فهذا الرجل الغامض قدم على أنه زعيم هذا التنظيم الإرهابي، خاصة بعد التصريحات المثيرة التي بسطها أمام قاضي التحقيق خلال المواجهة مع عدد من المتهمين، والتي أكد فيها أن الأسلحة التي تم العثور عليها داخل بئر بالقرب من مدينة الناظور تم إدخالها في إطار صفقة مع المخابرات المغربية، في عهد وزير الداخلية الراحل إدريس البصري.
وأشار إلى أنه طلب منه توريط جهات محددة في هذا الملف، وكشف أن تلك الأسلحة تم إدخالها إلى المغرب أوائل التسعينات بطلب من المخابرات، ونفى أن تكون الكميات الكبيرة من الأسلحة التي عثر عليها بكل من الناظور والدار البيضاء موجهة للقيام بعمليات تستهدف المغرب.
ولم يكتف بليرج بذلك بل قال انه تعرض لعملية نصب واحتيال، وتم تقديمه في الأخير كضحية وتم التخلي عنه بعد الاتفاق الذي أبرم مع المخابرات المغربية، والذي أشرف عليه وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري شخصيا حسب بليرج وهو الاتفاق الذي يقضي بتوريط عدد من الرموز الحركة الإسلامية بالمغرب.
لكن وعلى عكس الأسرار التي باح بها بليرج خلال مرحلة التحقيق وقف المتهم الرئيس الذي يملك أهم مفاتيح هذا الملف أمام القاضي في إطار الكلمة الأخيرة ليقول “لا يمكن أن تعدموني والتزم الصمت” قبل أن يشرع في قراءة الشعر، وبعد مقاطعته من طرف القاضي قال بليرج أن المغرب “بلد الأوهام والخوف” وأن الكذب “تحول إلى عقيدة او إيديولوجيا” ليحول جلسة النطق بالحكم إلى مناظرة فكرية لم يكشف فيها عن أي تفاصيل، وحتى بعد أن قاطعه القاضي مجددا قال “شنو فيها… راه طلبتو ليا الاعدام خليني نخطب معا راسي باش نتهنى” ليحتفظ بسر هذا الملف لنفسه.

عشرات الجلسات عقدت للحسم في هذا الملف وسط متابعة إعلامية وطنية ودولية زادت من حدتها الحرب الكلامية التي كانت تدور بين الدفاع من جهة، والقاضي وممثل النيابة العامة من جهة أخرى، والتي وصلت ذروتها بعد مطالبة الدفاع بإزالة الكاميرات المنصوبة داخل القاعة بدعوى أنها تقوم بنقل البث الحي لأطوار المحاكمة لجهة معينة تتحكم في خيوط القضية، وهو ما رفضته المحكمة بدعوى أن الكاميرات موجودة لدواعي أمنية فقط.
اليوم وبعد مغادرة بلعيرج للسجن في إطار العفو… وبعد كل هذه الضجة التي قدمت للرأي العام على أنها شبكة إرهابية تسعى لقلب النظام، ستظل عدة علامات استفهام كبيرة تحوم حول هذا الملف، في الوقت الذي ذكرت فيه مصادر مطلعة أن بليرج عكف داخل زنزانته على تدوين أشياء قد تكون سيرة ذاتية قد تجد طريقها للنشر بشكل يسمح بفهم ولو جزء بسيط حقيقة ما وقع، ولماذا وقع..؟