حين انكشفت فضائح البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم الذي انتهى بتبديد 4700 مليار في صفقات فاسدة، خرج رشيد بلمختار وزير التربية السابق ليصرح بأن الأمر يتعلق بـ 3700 مليار فقط؟؟؟
نفس السيناريو نعيشه اليوم مع فضيحة دعم استيراد الأغنام بعد أن صُعقنا بخبر مفاده أن 18 شناقا يُقال أنهم مقربون من حزب التجمع استفادوا من 1300 مليار.
حدث ذلك قبل أن يقول القيادي في “الحزب الأزرق” الطالبي العلمي، دون خجل، أن الرقم هو 33 مليار فقط، وأن عدد “الفراقشية” الذين بلعوا هذه الملايير هم 100 “فراقشي” بالتمام والكمال.
إذا كان الطالبي يعرف كل هذه التفاصيل بهذا اليقين، فعلى النيابة العامة أن تعطي التعليمات ليتم الاستماع له بعيداً عن فقاعة التحقيق الذي قيل إن الفرقة الوطنية باشرته في هذا الملف.
خبر اتضح أنه مجرد صابونة تطوعت “انكشارية” أخنوش الإعلامية لوضعها تحت أقدامنا جميعاً لخلط الأوراق بعد أن صار الحزب محاصراً بصك اتهام حمل توقيع أحزاب في الأغلبية والمعارضة.
ما يهمنا اليوم هو أن نعرف السارق بعد أن انكشف أمر المسروق، بعيداً عن لعبة “التلقاز من تحت الجلابة” التي انخرط فيها حزب أخنوش للرد على خصومه بعد أن اقتربت الانتخابات، وصارت صورته وصورة قياداته ملطخة بأكثر من فضيحة.
ولكي نعلم حجم ورطة حزب التجمع الذي يسعى للتغطية على فراقشيته، يكفي أن نعاين كف تطوع وحيدا للترافع في هذا الملف… رغم أنه يعني الحكومة بجميع الأحزاب المكونة للأغلبية احتراما لمبدأ التضامن الحكومي.
الخطير أن ما حدث من نهب لمئات الملايير من طرف “فراقشية” النموذج النهبوي الجديد، كنا لنعيش فصلاً جديداً منه لولا القرار الملكي بإلغاء شعيرة ذبح الأضحية هذه السنة. ومخطئ من يعتقد أن الحكومة تبالي بالرأي العام، أو بالغضب الشعبي الذي تلا انكشاف هذا الملف، والصدمة التي خلفها حجم الأرقام المالية التي كانت بمثابة واد جارف من المال السهل الذي سال في أرصدة مستوردين يدورون في فلك تجمع من “الأشرار”.
الواقع أن الحكومة حولتنا جميعاً إلى قطيع خرفان نعاين في صمت ما يجري من “وزيعة” دون أن تبادر أي جهة رقابية لوضع هذا الملف بيد القضاء، رغم ما شكله من تهديد للاستقرار بعد المآسي التي عايناها خلال عيد الأضحى للسنة الماضية.
ولنفهم المنطق الذي يتصرف به حزب الأحرار بعيداً عن صفقات أخنوش التي خلقت لنا “شوهة” دولية، يكفي العودة لفضيحة العسل بعد أن سعت الحكومة لتمرير تعديل يهم تخفيض الرسوم الجمركية على عسل المائدة من 40 بالمائة إلى 2.5 بالمائة، خلال مشروع قانون المالية 2025، في تكريس فاضح لتضارب المصالح، على اعتبار أن أحد كبار مستوردي عسل المائدة بالمغرب هو الزمزامي، برلماني عن التجمع الوطني للأحرار، الذي جاء من حزب التقدم والاشتراكية في صفقة انتقال عائلي ليزرع “تريكته” في عدد من المؤسسات المنتخبة.
ولأن المطارق صارت كثيرة وتصنع ثقوباً في الذاكرة، لا بأس أن نعود لـ 50 مليار التي حصل عليها المستوردون في بداية هذه الوزيعة مقابل إيداع 5 دراهم عن كل رأس..
بعد ذلك كشف عدد من الكسابة وسط صمت حكومي بأن المستثمرين الكبار لجأوا إلى أساليب تدليسية للحصول على أكثر من “الكوطا” المخصصة لهم، وذلك عبر التقدم بأكثر من شركة للرفع من الكمية الإجمالية للاستيراد، مؤكّدين أن بعض الشركات تمكنت بسرعة غير متوقعة من السيطرة على أكثر من 80% من الحصة المحددة من قبل الوزارة لاستيراد الأغنام.
وعكس الرواية التي قدمتها الحكومة قبل عيد الأضحى، والتي أكدت فيها أن العرض يفوق الطلب، أفاد تقرير أصدره المركز المغربي للمواطنة حول المغاربة وعيد الأضحى بأن ما حدث خلال عيد الأضحى الماضي سببه هو “كذب الحكومة”، مطالباً بفتح تحقيق سياسي في الأرقام التي قدمتها، وهو ما لم يتم حتى لا ينكشف المستور.
التقرير قال إن الاستيراد لم يكن له أي وقع على أرض الميدان، وأن نسبة مهمة من الأغنام استغلت لأغراض تجارية، كالأعراس والمطاعم، بعد تهريب جزء من الأغنام المستوردة، مما طرح إشكالية دور القطاع الوصي في مراقبة الدعم، أي “عين ميكة” التي استفاد منها الشناقة والفراقشية الذين يلبسون قبعة سياسية.
قبل ذلك في يونيو من سنة 2024، تهرب مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، من الجواب عن سؤال حول الإجراءات التي ستتخذها الحكومة للسيطرة على غلاء أضاحي العيد، بعد أن وصل السعر لمستويات جعلت عدداً من الأسر تُحجم عن الشراء…
بايتاس، وخلال الندوة التي أعقبت انعقاد المجلس الحكومي، اكتفى بالقول أن “القطيع يوجد في حالة صحية جد جيدة”، في حين أن السؤال المطروح كان حول النفخ في أسعار أضاحي العيد التي زادت بحوالي 1300 درهم عن سنة 2023، رغم رصد الحكومة لحوالي 50 مليار كدعم لاستيراد 600 ألف رأس من الغنم.
ولأن المال السايب يعلم السرقة، فإن التلاعب في أموال الدعم تجاوز استيراد الأغنام لتضخيم حجم القطيع من بعض السلالات فقط للحصول على الدعم لقطيع لا يوجد في الواقع.
ولأن حبل الكذب قصير، لا بأس هنا للعودة لأربعة مستوردين كبار محظوظين هم من استفادوا من كعكة 50 مليار قبل أن ينتبه باقي الفراقشية للكعكة ويصبح عددهم 18، لينتقل لـ 100 فراقشي وفق رواية الطالبي العلمي مع تخصيص الحكومة لعشرات الملايير الإضافية… هؤلاء الأربعة قالت برلمانية مخاطبة وزير الفلاحة التجمعي أمام الملأ: “أنتم تعرفون انتماءهم، وراكم سمنتوهم مزيان”.
ما حدث في ملف دعم الأغنام من سرقة بالعلالي يجعلنا نقول إن من حق أخنوش أن يتمادى ويطلق أعضاء حزبه والمقربين منه في المال العام، فالرجل كان رئيساً للحكومة في الظل قبل ذلك، ونجح في جعل بنكيران مع كل عنترياته مجرد موظف يوقع على القرارات حتى دون أن يُدرك ما فيها، كما حصل مع صندوق التنمية الفلاحية وغيره، وهو نفس السيناريو الذي تكرر مع العثماني.
ليس هذا فقط، بل إن أخنوش نجح في أن يبيعنا القرد، بعد أن زاد ثروته في حكومتين بعد تحرير أسعار المحروقات، وظل يحصد الملايير في صمت، رغم ضجيج المهمة الاستطلاعية، وحكاية 1700 مليار، كما نجح في تسجيل هدف قاتل في الوقت الميت في مرمى مجلس المنافسة.
الخلاصة
لقد انكشف المسروق، فمن السارق؟







