مع الساعات الاولى ليوم الجمعة المقبل، يُفتح من جديد باب المؤسسة التشريعية، إيذانا بانطلاق الدورة التشريعية الثانية من السنة البرلمانية 2024-2025، وسط ترقب شعبي واسع لما ستؤول إليه مداولات اللجان البرلمانية، بالإضافة الى الجلسات الأسبوعية والشهرية، في واحدة من أكثر الدورات البرلمانية إثارة للانتباه خلال الولاية الحالية. فبعد أشهر من “العطالة السياسية”، تستأنف أشغال البرلمان في سياق اجتماعي واقتصادي ضاغط، وملفات مصيرية تراكمت وتضخمت حتى أصبحت أشبه بـ”قنابل موقوتة” تتطلب معالجات جريئة ومسؤولة.
الدورة الربيعية، التي تنطلق يوم 11 أبريل، طبقا لمقتضيات الفصل 65 من الدستور ، تحمل طابعا خاصا، ليس فقط لأنها تضع حدا لفترة من الجمود التشريعي، بل لأنها تأتي في ظل سياق وطني يتسم بتعقيدات متشابكة، من تصاعد موجة الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، إلى عودة الاحتقان النقابي مع اقتراب فاتح ماي، فضلا عن تراكم نصوص تشريعية ظلت حبيسة الرفوف لشهور وربما لسنوات.
مصادر برلمانية من الأغلبية والمعارضة، تحدثت لـ”نيشان“، واتفقت على أن هذه الدورة ستكون “اختبار نضج سياسي” للمؤسسة التشريعية، التي يُطلب منها اليوم أكثر من أي وقت مضى أن تتحول من منصة للخطابة والمزايدات إلى ورشة حقيقية للإنتاج التشريعي والرقابة الناجعة.
مشاريع قوانين حارقة.. من المسطرة إلى المدونة
في قلب الأجندة التشريعية، تبرز ملفات كبرى لا تحتمل التأجيل. أولها مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي دخل مراحل متقدمة من النقاش داخل لجنة العدل والتشريع، لكنه لا يزال يثير جدلا حادا، خاصة في ما يتعلق بالمادة 3 المثيرة للجدل، والتي وصفها فاعلون حقوقيون بـ”الحاجز أمام محاربة الفساد”، في إشارة إلى القيود التي تفرضها على الحق في تحريك الشكايات بشأن الجرائم المالية.
محامون وممثلو جمعيات الدفاع عن المال العام عبّروا عن تخوفاتهم من “تحجيم الدور الرقابي للمجتمع المدني”، مطالبين بإعادة النظر في هذه المادة التي يعتبرونها “تكريسا للإفلات من المساءلة”.
بالموازاة، تعود مدونة الأسرة إلى واجهة النقاش، ولكن هذه المرة بصيغة “منقحة”، بعد أن أحيلت مقترحات تعديلها إلى المجلس العلمي الأعلى. وهنا، يبدو أن هناك حرصا رسميا على تحييد التجاذبات السياسية حولها عبر “شرعنة التعديلات” من بوابة الدين، وهو ما يراه مراقبون محاولة ذكية لتفادي سيناريوهات الانقسام التي طبعت النقاش حول المدونة سنة 2004.
غير أن أصواتا داخل البرلمان تحذر من أن “التحكيم الديني لا يعفي من النقاش المؤسساتي”، مشددة على ضرورة أن تُناقش التعديلات داخل قبة البرلمان بشفافية كاملة، لا أن تُمرر كـ”أمر واقع” تحت غطاء التوافق المسبق.
الحوار الاجتماعي والتقاعد.. مواجهة مفتوحة
من الملفات التي ينتظر أن تثير شدا وجذبا قويين داخل البرلمان، ملف الحوار الاجتماعي الذي عاد ليطفو على السطح، وسط تململ نقابي متزايد، ومطالب متجددة برفع الأجور وتحسين ظروف العمل، خصوصا في قطاعي التعليم والصحة.
ففي الوقت الذي تروج الحكومة لنية فتح جولة جديدة من الحوار مع النقابات، تظل الثقة مفقودة، بحسب مصادر نقابية تحدثت لـ”نيشان“، والتي اعتبرت أن “ما يُطرح من وعود لا يرقى إلى حجم الانتظارات”، خاصة بعد تعثر تنزيل مخرجات اتفاقات سابقة.
أما ورش إصلاح أنظمة التقاعد، فيبدو أكثر تعقيدا، نظرا لطبيعته الحساسة وتداعياته الاجتماعية العميقة. الإصلاح، بحسب الأستاذ الباحث بجامعة محمد الخامس في الرباط محمد بوالد، لا يمكن أن ينجح بـ”منطق المحاسبة فقط”، داعيا إلى “مقاربة حقوقية توازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية”.
دورة بنكهة انتخابية سابقة لأوانها؟
يرى سياسيون ومحللون أن الدورة الربيعية لن تكون فقط محطة للتشريع، بل ستكون أيضا مسرحا لحملة انتخابية مبكرة قبيل استحقاقات 2026. معارضون يتهمون الحكومة بـ”تسييس النصوص” و”احتكار المبادرة التشريعية”، بينما تتأهب فرق الأغلبية لتسويق منجزاتها، ولو من خلال نصوص غير مكتملة أو إصلاحات ما زالت في المهد.
الكل يبدو مستعدا لمعارك الواجهة، والبرلمان يتحول تدريجيا إلى “قاعة صدى” لخطاب سياسي انتخابوي، يبتعد أحيانا عن جوهر القضايا المطروحة. وهنا يُطرح سؤال جوهري، هل ستنجح المؤسسة التشريعية في التوفيق بين متطلبات الاستحقاق الوطني ومتاهات الحسابات السياسية الضيقة.
الرهان.. مصداقية المؤسسات أم المزيد من الشك؟
الشارع المغربي يراقب، ووسائل الإعلام تحلل، والخبراء يقدّمون قراءاتهم، لكن كل الأنظار تبقى مشدودة إلى ما سيفعله نواب الأمة خلال هذه الدورة. هل سنشهد تحولات حقيقية في الممارسة التشريعية، أم أن القاعة ستظل رهينة لنصوص مؤجلة وسجالات عبثية.
الدورة الحالية تحمل إمكانية التحول، لكنها تنطوي أيضا على خطر التكرار والنمطية، والاستمرار في تبني الخطابات الشعبوية. فإما أن ينجح البرلمان في التأسيس لمرحلة جديدة من الفعالية السياسية، أو أن يُسجّل فشلا إضافيا يكرّس اتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات.







