اللهم كثّر أفراحنا. مؤخرا احتفلنا بعيد الشعر وعيد المسرح وقريبا عيد الرواية وعيد القصة والأقصوصة والقصة القصيرة والقصة القصيرة جدا، وكما يقول الشاعر المائز: “دامت لكم الأفراح والمسرات!”
عيد المسرح يعيدني دائما إلى أيام الدراسة في “المعهد العالي للمسرح والتنشيط الثقافي”، حين كان ستانسلافسكي وموليير وشكسبير أفرادا من العائلة، والجهل والادعاء صديقين حميمين. كان “المعهد” في مقره القديم بقصبة الأوداية، وكنا محظوظين لأننا درسنا في معلمة أثرية، مع حسن الجوار: متحف وقاعة معارض وأروقة فنية ومقر اتحاد كتاب المغرب ونادي اليخوت بالإضافة الى أبي رقراق والأطلسي… بناية ضاجة بالذكريات، هدمتها السلطات لتهيئة ما أصبح يعرف ب”كورنيش” الرباط…
كانت الرباط غير الرباط، نقطع دروب المدينة العتيقة كل صباح ونمر من سوق السباط وباب القناصل كي نصل الى حجرات الدرس لنتعلم التشخيص والارتجال والتعبير الجسدي والرقص والموسيقى والغناء والسينوغرافيا والدراماتورجيا وتاريخ المسرح والفنون والملابس…
هناك تعرفنا على سوفوكليس وموليير وشكسبير أعظم مسرحي في التاريخ. نحن أيضا كنا نردد أنه شاعر عبقري دون أن نفهم لماذا، خصوصا أننا لم نكن قد قرأنا له شيئا، وأقصى ما نعرف عنه: “أكون أو لا أكون هذه هي المسالة”، نرددها بمناسبة وبدون مناسبة، كي نبهر من يستمع إلينا ونقنعه بسعة اطلاعنا وانغراسنا العميق في تربة المسرح!
فيما بعد، حين درسنا “هاملت” و”ماكبث” و”عطيل” و”روميو وجولييت” و”الملك لير” و”حلم ليلة صيف”… لم يعد المسرحي الإنجليزي غريبا عنا. تعرفنا على شخصياته المرسومة بدقة مدهشة، وحبكاته التي تقطع الأنفاس، وجمله الشعرية الثاقبة.
لكن قبل ذلك، حين قرر أستاذ التشخيص أن نشتغل على مسرحية “حلم ليلة صيف” لنعرضها في اليوم العالمي للمسرح، كنا في السنة الأولى، ولم يكن بيننا وبين الرجل الا “هاملت” و”أكون أو لا أكون”.
قضينا أسابيع طويلة نتدرب على “حلم ليلة صيف” بالعربية الفصحى. الترجمة عصية على القراءة، مثل معظم النصوص الصادرة عن سلسلة المسرح العالمي، التي تدر نقودا محترمة على مترجمين رديئين، ما عدا استثناءات قليلة.
في البداية، خصصنا حصصا للقراءة على “الطريقة الإيطالية”. جلسنا حول طاولة ووزعنا الحوارات بيننا وشرعنا في تبادلها. تَهَجَّيْنا النص جماعة وقطّعناه الى فصول، ووزع الاستاذ-المخرج الأداور على الفصل بأكمله. لا أعرف لماذا وجدتني ألعب دورين في المسرحية: دوق أثينا الذي يستعد للزواج من هيبوليتا الجميلة، وأوبيرون ملك الجن مع عفاريته المارقين…
بدأنا التداريب. يرفع الستار ويظهر الدوق على الخشبة ماسكا بيدي حبيبته هيبوليتا. هيبوليتا هي مريم، زميلة قذفت بها صدفة طائشة إلى عالم المسرح، علاقتها مع الخشبة مثل علاقة جدتي مع فيسبوك. أقول لها:”حبيبتي هيبوليتا إن ساعة زفافنا تقترب سريعا”… أقبل يديها وأدور بها على الخشبة، من ال”كوتي كور” الى ال”كوتي جاردان” ومن ال”كوتي جاردان” الى ال”كوتي كور”. بدل أن تتجاوب معي بالحوار المناسب، تحدق فيّ بامتعاض، وهي تحاول أن تتذكر النص، دون أن تنجح، ونضطر لإعادة المشهد…
أمضيا أياما طويلة ونحن نعيد المشهد الأول. كنا نتدرب بالتوازي في قاعة عبد الصمد الكنفاوي بالمعهد العالي للفن المسرحي ومقر الاتحاد المغربي للشغل، بمنطقة “ليزورانجي”. نتناوب مع المعطلين على القاعة، نتدرب فيها صباحا ويعتصمون فيها مساء. نحس أننا أعدنا المسرح المغربي إلى جذوره، أيام المسرح العمالي وعبد الصمد الكنفاوي الذي كان قياديا في النقابة…
“هيبوليتا الجميلة، إن ساعة زفافنا تقترب سريعا”. العرض يقترب أيضا، والضغط يرتفع، و”الستريس” يزيد. لم تستطع مريم مسايرة إيقاع التداريب. لم تتمكن من حفظ الحوارات، ناهيك عن الدخول في الدور. المشكلة أنها لم تكن أصلا مقتنعة بالمشاركة في المسرحية، لكن الاستاذ قرر أن الجميع سيلعب دروا، لأن الأمر في النهاية يتعلق بدرس في التشخيص قبل أن يكون عرضا. مريم جاءت للمعهد كي تدرس “التنشيط الثقافي” وتحصل على الدبلوم ثم تعمل في وزارة الثقافة، ووجدت نفسها ترتدي قفطانا قديما وتضع على رأسها تاجا كي تتزوج دوقا غريب الأطوار. كان لها صوت جميل، تغني به وردة وفايزة احمد وعزيزة جلال، هذه كل علاقتها مع الفن. تتصرف مثل فتاة أرستوقراطية لا يمكن أن تسقط على الأرض كي لا تتسخ ملابسها، فيما نحن مثل أطفال شوارع يتمرغون على على الخشبة…
عقب كل مشهد ينتف الأستاذ شعره. لكنه يضحك أحيانا. كان مؤمنا برسالته الفنية. سرعان ما يستعيد هدوءه ويعطينا ما يلزم من توجيهات، رغم أن الوقت نفذ والعرض على الأبواب. يحاول أن يعملنا، كما يقول، “حرفة التمثيل”. مريم منكفئة على نفسها، لا تحقق أي تقدم في الدور، لا تعنيها أبدا هذه الحرفة الغريبة.
لكي يفك عقدتها، عنت للأستاذ فكرة جهنمية: بينما كنت أردد للمرة الألف: “حبيبتي هيبوليتا الجميلة إن ساعة زفافنا تقترب سريعا”… أوقفني وطلب مني أن أخلع قميصي. خلعته دون تردد. طلب مني أن أخلع حذائي. خلعت الحذاء. طلب أن أخلع السروال… تعالت الضحكات وساد الترقب والتشويق. خلعت السروال. بقيت ب”الكيلوت” وسط الخشبة، جنب الملكة مريم. قال لي المخرج: “أنت الآن في المسبح مع خطيبتك، فاتحها في الزواج!” قلت لها: “حبيبتي هيبوليتا الجميلة إن ساعة زفافنا تقترب سريعا”… هيبوليتا غالبها الضحك، وهي ترى ملكا عاريا يطلب يدها أمام زملاء يقهقهون. تكسرت الحواجز وأصبحت الأجواء مرحة. الكل يضحك. حتى الملكة تضحك وهي تتمنع وتنظر باندهاش وانشراح. حدثت المعجزة وخرج الحوار من فمها بسلاسة، ودخلت أخيرا في شخصية هيبوليتا الجميلة…
“حلم ليلة صيف”!







