في حوار صريح ومطوّل مع برنامج “Le Club des 5″، كشف القائد السابق للمنتخب المغربي رومان سايس عن محطات فارقة في مسيرته الكروية، سواء في الملاعب الأوروبية، أو في قلب الدفاع المغربي الذي صنع التاريخ في مونديال قطر 2022. سايس تحدث عن بداياته المتواضعة، وتطرّق إلى الأزمات التي هددت استقرار “أسود الأطلس”، لا سيما التوترات مع المدرب السابق وحيد خليلوزيتش، وقضية إبعاد نجوم بحجم حكيم زياش ونصير مزراوي، قبل أن يروي كيف تحوّل كل شيء مع قدوم الركراكي.
1. البدايات المتواضعة.. من الظل إلى الأضواء
لم تكن رحلة رومان سايس إلى عالم الاحتراف مفروشة بالورود، بل سلك طريقًا وعرًا مليئًا بالتحديات والصبر. وُلد في فرنسا لأب مغربي، ونشأ في بيئة متواضعة جعلت منه شابًا صلبًا يؤمن بقيمة العمل والاجتهاد. لم ينشأ في أكاديميات النخبة أو تحت أضواء الكشافين الكبار، بل بدأ خطواته الأولى في فرق مغمورة مثل فالينسيان، ثم كليرمون، وصولاً إلى لوهافر، حيث كان عليه أن يثبت نفسه موسمًا بعد آخر ليحظى بفرصة للعب بانتظام.
لم يكن أحد يتنبأ له بمستقبل كبير، لكنه بعزيمته الهادئة وثقته في قدراته، خطف الأنظار في فريق أنجيه، وهناك بدأت ملامح المدافع الصلب تتشكل. كانت سنواته مع أنجيه محطة حاسمة، حيث أظهر قوة بدنية وانضباطًا تكتيكيًا جعلاه محط اهتمام الفرق الكبرى. وفي 2016، تحقق حلمه بالانتقال إلى إنجلترا، عندما انضم إلى وولفرهامبتون، النادي الذي شكّل نقطة التحول الحقيقية في مسيرته.
في إنجلترا، لم يكتفِ سايس بمجرد التواجد، بل كان جزءًا من مشروع صعود الذئاب إلى الدوري الممتاز، وساهم بأدائه الصلب وشخصيته القيادية في ترسيخ الفريق في البريميرليغ. لعب لستة مواسم متتالية، واجه خلالها عمالقة الكرة الإنجليزية، ليكسب احترام الجماهير والنقاد على حد سواء.
بعد تجربته الناجحة في إنجلترا، واصل سايس مغامرته الكروية، فحطّ الرحال في تركيا مع بشكتاش، ثم انتقل إلى السد القطري، ليجمع بين التجربة الأوروبية والانفتاح على البطولات الآسيوية، دون أن يغيب أبدًا عن التزامه الأول: تمثيل بلاده بشرف في كل مناسبة.
2. خلافات خليلوزيتش.. أجواء التوتر داخل المنتخب
في كرة القدم، ليس الفوز وحده ما يصنع الفرق، بل الانسجام والروح الجماعية. وهذا ما كان مفقودًا تمامًا في فترة المدرب وحيد خليلوزيتش مع المنتخب المغربي، كما يروي القائد السابق رومان سايس. لم تكن الأجواء خلف الكواليس مريحة، بل محمّلة بالتوتر والقرارات الصادمة، ما خلق فجوة عميقة بين اللاعبين والجهاز الفني. سايس، الذي كان صلة الوصل بين المجموعة والمدرب، وجد نفسه في وضع معقد، يحاول إخماد نيران لا تهدأ.
يقول سايس إن خليلوزيتش اتبع أسلوبًا سلطويًا في الإدارة، قائمًا على الإقصاء بدل الحوار، وعلى فرض الانضباط بشكل مبالغ فيه أحيانًا، حتى وإن جاء ذلك على حساب الانسجام داخل الفريق. أسماء وازنة تم تهميشها أو استبعادها دون تفسير مقنع، وهو ما خلق نوعًا من الإحباط والقلق لدى باقي اللاعبين، الذين لم يعودوا يشعرون بالأمان أو بالانتماء الحقيقي إلى المشروع الفني.
“كنا نشعر أن المنتخب يسير في طريق مسدود… هناك توتر لا يُرى لكنه محسوس، وغياب للثقة يجعل من كل معسكر تحديًا نفسيًا قبل أن يكون رياضيًا”، يصف سايس تلك المرحلة. حتى داخل غرفة الملابس، كانت الروح الجماعية تتآكل، والتواصل شبه منعدم، وكأن كل لاعب يقاتل بمفرده، في عزلة عن الآخر.
بالنسبة لسايس، لم تكن المشكلة في الانضباط بحد ذاته، بل في غياب المرونة وفن التواصل. كان يرى أن المنتخب يضم لاعبين محترفين في أكبر الأندية الأوروبية، يحتاجون إلى الاحترام والثقة، لا إلى التوبيخ أو الإقصاء العلني. حاول القائد تهدئة الأجواء، واجتهد للحفاظ على وحدة الصف، لكنه كان يعلم أن استمرار الأمور بهذا الشكل ينذر بانفجار داخلي، وهو ما كاد يحدث لولا التغيير المرتقب في القيادة الفنية.
3. حكيم زياش.. من لحظة إرهاق إلى شرارة أزمة
خلاف حكيم زياش مع المدرب وحيد خليلوزيتش لم يبدأ بعصيان أو تمرّد، بل من لحظة إنسانية عادية كانت تحتاج إلى تفهّم أكثر من تصعيد. يروي رومان سايس أن القصة بدأت بعد وصول زياش مباشرة من رحلة سفر طويلة، حيث كان مرهقًا جسديًا بعد رحلة طويلة ومرهقة، ومع ذلك التحق فورًا بمعسكر المنتخب دون تأخير. وبمجرد وصوله، توجه مباشرة إلى قاعة العلاج الطبيعي، حيث خضع لجلسة تدليك لإزالة آثار الإرهاق.
في تلك الأثناء، طلب المدرب من مساعديه إبلاغ زياش بضرورة الحضور إلى مكتبه فورًا. غير أن اللاعب، المنهك أصلًا، لم يكن قد أنهى بعد جلسة العلاج، ما دفعه إلى تأجيل الاستجابة للحظات حتى ينتهي من التدليك. لكن الرسالة التي نُقلت إلى المدرب لم تعكس بدقة ما حدث. فبدلًا من شرح الوضع الحقيقي، يبدو أن هناك من أوصل الأمر وكأن زياش يتجاهل أو يرفض الامتثال لأوامر المدرب.
رومان سايس، الذي كان شاهدًا على تلك اللحظات، يؤكد أن سوء التفاهم ذاك كان كافيًا لإشعال فتيل أزمة كان من الممكن تجنبها تمامًا. “المدرب لم يأتِ بنفسه ليتحدث مع حكيم، بل اعتمد على وسطاء، وهذا ما زاد الطين بلّة… لا أحد نقل حقيقة الموقف كما هو، ومن هنا بدأ التوتر”، يقول سايس.
من وجهة نظر سايس، زياش لم يُخطئ، بل تضرر من غياب التواصل المباشر. ورغم أنه لاعب محترف وملتزم، إلا أن الأسلوب الإداري الذي اتبعه خليلوزيتش جعله يشعر بعدم الاحترام. وبدل حل الخلاف بهدوء، تصاعد الأمر إلى تصريحات إعلامية من المدرب اتهم فيها زياش بقلة الالتزام، مما أدى إلى قطيعة طويلة بين الطرفين.
لكن كما أثبتت الأحداث لاحقًا، فإن الخلاف لم يكن أكثر من سوء تأويل وتسرّع في الحكم. عودة زياش مع الركراكي، وتألقه في مونديال قطر، كانا الرد الأبلغ. وبالنسبة لسايس، فإن زياش لم يحتج سوى إلى الاحترام والتقدير، لا أكثر.
4. أزمة نصير مزراوي.. شرارة بسيطة فجّرت الخلاف
أحيانًا، تبدأ الأزمات الكبرى من تفاصيل صغيرة، وهذا ما حدث في واقعة نصير مزراوي مع المدرب وحيد خليلوزيتش. يروي رومان سايس أن الخلاف لم يكن وليد قرار تكتيكي أو قضية انضباط كبرى، بل نبع من موقف بسيط أثناء حصة تدريبية: خليلوزيتش طلب من مزراوي أن يشرب الماء، لكن الأخير رفض بلطف لأنه لم يكن يشعر بالعطش. رد الفعل كان صادمًا — المدرب طرده فورًا من الحصة التدريبية، وبدأت شرارة التوتر تتسع.
سايس، الذي كان حاضرًا وشاهدًا على الموقف، وصف الحادثة بأنها تجسيد حي لغياب الحوار والمرونة في التعامل. “كان يمكن تجاوز الموقف بكلمة بسيطة، لكن بدل ذلك، اتخذ المدرب القرار الأكثر تصعيدًا”، يقول سايس بأسف. فبدلًا من احتواء اللاعب أو احترام خصوصيته الجسدية، حُوّلت المسألة إلى اختبار سلطة، وبدأ التوتر يكبر خارج الملعب.
مزراوي شعر بالإهانة، لا لأنه رفض الشرب، بل لأن ردة الفعل لم تكن متوازنة، ولأن كرامته كلاعب دولي أُهينت أمام زملائه. بالنسبة له، لم تكن المسألة في الماء، بل في غياب الاحترام. وبدلًا من تهدئة الأمور، تم تحميل اللاعب مسؤولية الخلاف، وتفاقمت الأزمة لتتحول إلى قطيعة كاملة بينه وبين الجهاز الفني.
بالنسبة لسايس، كانت هذه الواقعة أحد أكثر اللحظات إحباطًا، لأنها كشفت عن هشاشة العلاقة بين المدرب واللاعبين، وعن بيئة يسهل فيها تحويل المواقف البسيطة إلى صراعات مفتوحة. يقول: “مزراوي لم يرفض اللعب، بل رفض أن يُعامل كهاوٍ… كل ما كان يحتاجه هو الاحترام”.
وعندما جاء وليد الركراكي، كان أول قراراته إعادة المياه إلى مجاريها، حرفيًا ومجازيًا. مزراوي عاد إلى المنتخب دون شروط، لأن المشكلة لم تكن فيه، بل في الأسلوب
5. الركراكي.. المصالحة وبداية التحول الحقيقي
حين تولّى وليد الركراكي قيادة المنتخب المغربي خلفًا لوحيد خليلوزيتش، لم يكن فقط بصدد استلام فريق يعج بالنجوم، بل كان يرث غرفة ملابس مثقلة بالتوتر، ومرهقة بخلافات لم تُحل، وثقة مهزوزة بين الطاقم التقني واللاعبين. لكن رومان سايس، الذي كان في قلب الأحداث، وصف قدوم الركراكي بأنه “ولادة جديدة” للمنتخب، ليس فقط من حيث النتائج، بل من حيث الروح.
الركراكي بدأ عمله من الأساس: لم يبحث أولًا عن الخطط التكتيكية، بل عن إعادة الثقة، وجمع شتات مجموعة كانت على وشك الانفجار. مدرب شاب، ابن المدرسة المغربية، يعرف العقلية المحلية ويتقن فن التواصل، دخل إلى قلوب اللاعبين قبل عقولهم. أول قراراته كانت بمثابة إعلان نية: استدعاء حكيم زياش ونصير مزراوي، ليس فقط للعب، بل لإغلاق جراح الماضي.
يقول سايس: “أعاد الركراكي ترتيب البيت، لم يكن الأمر سهلًا، لكننا شعرنا منذ اليوم الأول أن شيئًا تغيّر”. الأجواء داخل المعسكرات تغيّرت كليًا، لم يعد هناك خوف من التعبير عن الرأي، أو قلق من القرارات المفاجئة. الجميع أصبح يشعر أن له دورًا، وأن صوت اللاعب مسموع ومحترم.
بجانب إعادة النجوم، ركّز الركراكي على خلق هوية جماعية. لم يعد المنتخب يعتمد فقط على المهارات الفردية، بل على روح الفريق والانضباط. سايس، كقائد، وجد نفسه أخيرًا ضمن منظومة متناغمة، حيث لا يوجد أحد فوق المجموعة، ولا أحد خارجها.
“أصبحنا نلعب بقلبنا، لا فقط بأقدامنا… الركراكي جعلنا نؤمن أننا قادرون على الحلم، وأن لدينا كل شيء لنكون الأفضل”، هكذا لخّص سايس بداية التحول. المصالحة لم تكن مجرد تصالح مع لاعبين، بل مع الذات، مع الجمهور، ومع مشروع طال انتظاره.
6. كأس العالم قطر 2022.. المجد الذي حوّل الحلم إلى حقيقة
كان مونديال قطر 2022 أكثر من مجرد بطولة بالنسبة لرومان سايس، بل كان تتويجًا لمسار طويل من التضحيات والصبر والعمل في صمت. منذ اللحظة الأولى التي دخل فيها المنتخب المغربي أرضية الملعب، كانت هناك روح مختلفة، شعور بأن شيئًا كبيرًا على وشك أن يحدث، لكن لا أحد كان يتوقع أن تمتد الرحلة حتى المربع الذهبي، وتصنع كتابة جديدة في سجل التاريخ الكروي العربي والإفريقي.
بالنسبة لسايس، كانت البطولة قمة ما عاشه كلاعب، من حيث الضغط، والفرح، والألم، والالتزام المطلق بقميص الوطن. لم يكن قائدًا على الورق فقط، بل كان قلب الفريق النابض، الذي يلعب بإصابة، ويصرّ على البقاء، ويحفّز زملاءه حتى وهو على الأرض يتألم. لحظة خروجه مصابًا أمام فرنسا كانت رمزًا لتلك الروح القتالية: “كنت أعرف أن جسدي لم يعد قادرًا، لكن قلبي لم يكن مستعدًا للتوقف”، يقول سايس.
المنتخب المغربي، تحت قيادة الركراكي وقيادة ميدانية من سايس، تخطى كبار القارة والعالم. الفوز على بلجيكا، إقصاء إسبانيا بركلات الترجيح، ثم إسقاط البرتغال بهدف تاريخي… كانت تلك اللحظات بمثابة انفجار للفرح في قلوب ملايين المغاربة والعرب، الذين وجدوا في “أسود الأطلس” صورة للأمل والانتصار.
سايس لم يكن فقط عنصرًا دفاعيًا، بل كان رمزًا للثقة والانضباط. كان أول من يصرخ لتصحيح التمركز، وأول من يرفع الأيادي لتحفيز الجماهير. وبعيدًا عن المستطيل، كان صمّام أمان في غرفة الملابس، يوازن بين الحماس والانضباط، وبين التحدي والهدوء.
“قاتلنا من أجل العلم، من أجل العائلات، من أجل كل طفل حلم أن يرى منتخب بلاده يقف في وجه الكبار”، بهذه العبارة اختصر سايس مشوار المونديال. لم يكن إنجازًا عابرًا، بل نقطة تحوّل في تاريخ الكرة المغربية، وبداية لمرحلة يجب أن تُبنى عليها أحلام قادمة.
7. إخفاقات الكان.. الحلم المؤجل والعقدة المستمرة
رغم المجد الكبير الذي حققه المنتخب المغربي في مونديال قطر، ظل كأس أمم إفريقيا عصيًا على “أسود الأطلس”، وكأن البطولة ترفض أن تفتح أبوابها رغم كل ما تغيّر. رومان سايس لم يُخفِ خيبة الأمل، بل عبّر عنها بمرارة القائد الذي كان يطمح لأن يُتوج هذا الجيل الذهبي بلقب قاري طال انتظاره.
يقول سايس: “المونديال جعلنا نعتقد أننا مستعدون لكل شيء، لكن الكان أثبت أننا ما زلنا بحاجة لتغيير العقليات”. فاللعب في إفريقيا له نكهة مختلفة، وظروف أصعب، وخصوم لا يتعاملون معك كفريق قادم من نصف نهائي كأس العالم، بل كمنافس يجب إسقاطه بأي وسيلة.
التحديات لم تكن فقط فنية، بل ذهنية بالدرجة الأولى. المنتخبات الإفريقية تلعب على جزئيات صغيرة، تعتمد على القوة، على العامل النفسي، على التفاصيل التي قد لا تكون حاسمة في كأس العالم، لكنها تقرّر مصيرك في الكان. المغرب، في نظر سايس، لم يتقن بعد فن التكيّف مع هذا الواقع، رغم الجودة العالية للاعبيه.
الإقصاء من ربع نهائي “كان 2023” أمام جنوب إفريقيا، شكّل صدمة للشارع المغربي، وللاعبين أنفسهم. الجميع كان يعتقد أن الوقت قد حان لكسر العقدة، لكن الفريق بدا مترددًا، فاقدًا للحدة، وكأنّ الضغط النفسي ثقيل جدًا على الكتفين. “كأننا لم نلعب بنفس القلب الذي لعبنا به في قطر”، هكذا وصف سايس الفارق بين التجربتين.
رغم كل شيء، لا يرى سايس أن الكان مجرد إخفاق، بل محطة للتعلّم. يؤمن أن التتويج القاري ممكن، لكنه يحتاج إلى نضج ذهني، واستيعاب أن إفريقيا لا تعترف بالأسماء الكبيرة، بل فقط بمن يقاتل حتى آخر لحظة.
8. بن عطية.. القدوة الهادئة وصوت القيادة
في مسيرة رومان سايس مع المنتخب المغربي، لم يكن هناك اسم ترك أثرًا أكبر من مهدي بن عطية. لم يكن مجرد قائد سابق، بل كان مرآة رأى فيها سايس ملامح ما يجب أن يكون عليه القائد الحقيقي: متزن، محترف، وصامت حين يجب، وصارم حين يلزم. وبالنسبة لسايس، فإن بن عطية لم يكن فقط لاعبًا كبيرًا، بل كان مدرسة في الكاريزما والانضباط والقيادة.
يقول سايس عن زميله السابق: “تعلمت منه كيف أتحكم في أعصابي، كيف أستمع أكثر مما أتكلم، وكيف أضع مصلحة الفريق فوق كل شيء”. لم يكن بن عطية كثير الكلام في غرفة الملابس، لكنه حين يتحدث، يصغي الجميع. حضوره وحده كان كافيًا لفرض النظام، ولرفع سقف التوقعات داخل الفريق.
حين اعتزل بن عطية، شعر سايس أن فراغًا كبيرًا ترك خلفه، ليس فقط على مستوى الأداء الدفاعي، بل في البُعد الذهني والمعنوي داخل المجموعة. تولّى سايس شارة القيادة بعده، لكنه لم يحاول أن يقلّده، بل بنى أسلوبه الخاص مستفيدًا من إرث بن عطية. بين الإثنين، تشكّل خطّ متصل من القادة الذين قادوا المنتخب في أصعب المراحل.
ولم تقتصر العلاقة على الملاعب، فقد ظل سايس يستشير بن عطية حتى بعد اعتزاله، خاصة في المراحل الحرجة مثل الأزمات الداخلية أو الاستعداد
9. نظرة للمستقبل.. من الدفاع إلى دكّة القيادة؟
رغم أن رومان سايس ما زال يحمل طموح العطاء داخل المستطيل الأخضر، إلا أن حديثه عن المستقبل يكشف عن وعي عميق بأن كرة القدم ليست فقط مهنة، بل مسؤولية ورسالة. في حواره، أشار سايس إلى أنه بدأ يفكر بجدية في الخطوة التالية بعد اعتزال اللعب، سواء في مجال التدريب أو الإدارة الرياضية، لأنه يشعر بأن لديه ما يقدّمه خارج حدود العشب كذلك.
“أنا لا أرى نفسي بعيدًا عن الكرة بعد الاعتزال… أعتقد أن تجربتي مع المنتخب، في السراء والضراء، يمكن أن تكون مفيدة لجيل جديد قادم”، يقول سايس بثقة نابعة من عمق التجربة. فمن لعب في ملاعب فرنسا، وواجه تحديات الدوري الإنجليزي، وعاش ضغوط تركيا وقطر، وقاد منتخبًا في كأس العالم، يملك من الرؤية ما لا يُدرّس في الكتب.
رغبة سايس في دخول مجال التدريب لا تأتي من باب المجد الشخصي، بل من إيمان بأن الكرة المغربية تحتاج إلى وجوه عاشت الواقع، وفهمت التحديات من الداخل، وليس من مقاعد المكاتب فقط. يؤمن بأن بناء منتخب قوي لا يمر فقط عبر اكتشاف المواهب، بل من خلال غرس قيم الانضباط، والولاء، واللعب من أجل الشعار.
وفي الوقت نفسه، لا يُخفي أنه ما زال يشعر بأنه قادر على العطاء داخل الملعب، لكن نظراته بدأت تتجه لما هو أبعد. يفكر في أن يكون جسرًا بين الأجيال، وصوتًا يُسمع في لحظات الصمت، تمامًا كما فعل من سبقه.
هكذا يختتم سايس رحلته بكلمات ناضجة: “قيمة اللاعب ليست فقط في ما يُقدّمه، بل في ما يتركه خلفه”… وكأن لسان حاله يقول إن القيادة لا تنتهي حين تنزل الشارة عن الذراع، بل تبدأ من جديد، بشكل آخر، من مكان آخر.







