في تجاهل واضح للانتقادات المتكررة من المهنيين والفاعلين في القطاع، خرجت وزيرة السياحة فاطمة الزهراء عمور مرة أخرى، منتصف أبريل الجاري، ببلاغ جديد تؤكد فيه تحقيق أرقام قياسية في عدد السياح الوافدين على المغرب، معتبرة ذلك دليلاً دامغًا على نجاح الاستراتيجية التي تنهجها الوزارة. لكن هذا الخطاب الترويجي الذي دأبت عليه الوزيرة وفريقها في الوزارة، يصطدم مجددا بأسئلة واقعية ومقلقة، ليس فقط من داخل الأوساط المهنية، بل حتى من داخل الأغلبية الحكومية نفسها.
النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، عبد الرحمان الوافا، وجه سؤالًا كتابيا إلى الوزيرة، عبّر فيه عن قلقه من غياب الأثر الاقتصادي الفعلي لهذا التدفق السياحي الكبير على التنمية المحلية. ورغم انتمائه للأغلبية الحكومية، لم يتردد الوافا في إثارة ما أسماه بـ”الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع الميداني”، مشددًا على أن المدن السياحية الكبرى تشهد اكتظاظًا واضحًا في أعداد الزوار، دون أن ينعكس ذلك على القطاعات المحلية من مطاعم ونقل وخدمات، ولا على سوق الشغل الذي يظل جامدًا في وجه الآلاف من العاطلين.
السؤال البرلماني جاء في أعقاب إعلان الوزارة استقبال المغرب لأربعة ملايين سائح خلال الربع الأول من عام 2025، بزيادة قدرها 22% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. غير أن النائب اعتبر أن هذه الطفرة الكمية لا تقابلها جودة نوعية في نوعية السائح ولا في إنفاقه، حيث لاحظ أن الإنفاق يظل في حدوده الدنيا، ما يضع علامات استفهام حول مدى قدرة المغرب على استقطاب سائح ذي قدرة شرائية عالية يمكنه أن يضخّ فعليًا في الاقتصاد المحلي.
الوافا لم يكتف بالتشخيص، بل دعا عمور إلى الكشف عن خطط الوزارة في ما يخص استهداف أنماط جديدة من السياحة المستدامة، كالسياحة الثقافية والإيكولوجية وسياحة الأعمال، مع التأكيد على ضرورة التفكير في إجراءات تضمن استفادة الجماعات المحلية من هذه الدينامية. كما طالب بإجابات واضحة حول سبل خلق فرص شغل قارة وتحسين دخل الساكنة المحلية، بدل الاكتفاء بالترويج لأرقام مجردة لا تعكس الواقع.
وتضع الخرجة البرلمانية الجديدة وزيرة السياحة أمام مسؤولية سياسية واضحة، لتعيد مجددا طرح الأسئلة، حول ما اذا كانت الوزيرة المنتمية لحزب التجمع الوطني للاحرار، ستواصل الاكتفاء بمسار التباهي بالأرقام في غياب أثر ملموس على الأرض، أم أنها ستعيد النظر في مقاربتها لتتحول السياحة من قطاع يراكم الأرقام إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية.
وكانت فاطمة الزهراء عمور، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، قد عادت أمس الاثنين خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، الى تبني نفس لغة الأرقام مُعلنة عن تسجيل أكثر من 160 ألف تأشيرة إلكترونية صادرة خلال سنة 2024، شملت مواطنين من 111 جنسية مختلفة، أي بزيادة نسبتها 6% مقارنة بسنة 2023.
وأوضحت خلال الجلسة ذاتها، أن ما وصفته بـ “التطور الإيجابي” يأتي في سياق تنفيذ خارطة الطريق الاستراتيجية للسياحة 2023-2026، والتي ترمي إلى تعزيز جاذبية المملكة كوجهة عالمية، لا سيما من خلال إجراءات موجهة لرفع معدل عودة السياح الأجانب، الذي بلغ حاليًا 36%، مقارنة بـ34% في فترة ما قبل الجائحة.
وأكدت عمور أن هذا الارتفاع يعود إلى تنويع الأسواق السياحية، خاصة عبر التوجه نحو أسواق جديدة كأمريكا وآسيا، بالإضافة إلى إبرام شراكات استراتيجية وتأمين خطوط جوية إضافية عززت سعة النقل الجوي بنسبة 20% بين 2023 و2024، مما ساهم في تسهيل تدفق السياح نحو المغرب.







