عرفت الجلسة العمومية التي عقدها مجلس النواب، اليوم الثلاثاء 15 أبريل 2025، مناقشة تقرير المهمة الاستطلاعية المؤقتة حول “شروط وظروف الإقامة في الأحياء الجامعية”، والتي تحوّلت إلى ساحة سجال سياسي وقانوني بين مكونات المجلس، في وقت أجمع فيه النواب، بمختلف انتماءاتهم، على خطورة الأوضاع التي تعيشها الأحياء الجامعية، وضرورة تدخل الحكومة بشكل عاجل لوضع حد للاختلالات المتراكمة في هذا الملف الحساس.
صراع على المنصة قبل عرض التقرير
لم تكد الجلسة تنطلق حتى اندلع نقاش حاد حول من يحق له تلاوة تقرير المهمة، بعد أن تقدم النائب يوسف شيري، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، لعرض مضامينه بصفته مقررا للجنة التعليم والثقافة والاتصال، وهو ما قوبل باعتراض شديد من فرق المعارضة التي اعتبرت ذلك خرقاً للنظام الداخلي للمجلس، مؤكدة أن العرض يجب أن يتم من طرف مقرر المهمة الاستطلاعية نفسه، العياشي الفرفار.
رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بوانو، كان أول المعترضين، محذراً من مغبة تجاوز المساطر المعمول بها، بينما أيد هذا الطرح نواب من الفريق الحركي والفريق الاشتراكي، معتبرين أن احترام القانون التنظيمي ليس مسألة شكلية بل تعبير عن جدية المؤسسة في التعاطي مع الملفات الرقابية.
لكن رئيس الجلسة، محمد صيباري، دافع عن الخطوة، مؤكدا أن المقرر الأصلي حاضر وقد فوّض زميله، قبل أن يُطلب من العياشي الفرفار الصعود للمنصة، والذي أكد بدوره أنه لم يُنه الترتيبات النهائية للتقرير وفضّل احترام المؤسسة التشريعية على تقديم نص غير مكتمل، وهي النقطة التي فجّرت جدلاً إضافياً بعدما وصف الجدل القائم بأنه “لعب الدراري”، ما أثار حفيظة عدد من النواب الذين طالبوا بسحب العبارة، معتبرين أن الأمر يتعلق باحترام قواعد العمل البرلماني وليس بمجرد تفاصيل بروتوكولية.
تقرير يكشف واقعا صادما داخل الأحياء الجامعية
رغم البداية المتعثرة، اتفقت جميع الفرق البرلمانية، أغلبية ومعارضة، على أن الوضع داخل الأحياء الجامعية بات مقلقاً ويتطلب تدخلاً استعجالياً من طرف الحكومة، حيث رصد التقرير جملة من الاختلالات التي تؤثر سلباً على شروط الإقامة وتحرم الآلاف من الطلبة من التحصيل الجامعي في ظروف ملائمة.
وأكد التقرير أن الطاقة الاستيعابية للأحياء الجامعية لا تلبي سوى نسبة ضئيلة من الحاجيات الحقيقية، حيث لا تتعدى نسبة الإيواء على الصعيد الوطني 4.5% من مجموع الطلبة، بينما تواصل أعداد المسجلين ارتفاعها سنة بعد أخرى، مما يفاقم الاكتظاظ ويدفع عدداً كبيراً من الطلبة إلى اللجوء لحلول غير قانونية أو سكن غير لائق.
الفريق الاستقلالي، الذي تولى مهمة إعداد التقرير، أشار إلى أن الجامعة المغربية تعاني من تفاوتات صارخة في البنية التحتية، مع غياب التوازن المجالي في توزيع الأحياء، حيث تحتضن جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس أزيد من 100 ألف طالب في أربعة أحياء جامعية فقط، بينما تفتقر المحمدية، التي تضم ثماني مؤسسات جامعية، إلى أي حي جامعي تابع للجامعة.
اكتظاظ، رداءة في الخدمات، وغياب الولوجيات
التقرير لم يكتف بالتشخيص العددي بل تطرّق إلى الجوانب النوعية، حيث أشار إلى تدني جودة خدمات الإطعام، وغياب النظافة، وضعف التهوية، وتهالك التجهيزات، فضلاً عن انعدام الولوج إلى الإنترنت والمرافق الاجتماعية والثقافية في عدد من الأحياء.
الفريق الاشتراكي للمعارضة الاتحادية وصف التقرير بأنه وثيقة تأسيسية تُبرز هشاشة السياسة الحكومية في هذا المجال، متسائلًا عن مصير وعود الحكومة بتوفير 200 ألف سرير، في حين أن الواقع يكشف استمرار الفجوة بين عدد الطلبة وعدد الأسرة المتوفرة.
أما فريق الأصالة والمعاصرة، فاعتبر أن التقرير يعكس “صورة صادمة” لأوضاع الطلبة، محذراً من أن ضعف الطاقة الاستيعابية يتجاوز 600 ألف سرير، وأن غياب التأطير والرقابة يحوّل الأحياء إلى فضاءات مهملة وغير آمنة.
مطالب بإصلاح جذري وشراكات جديدة
في خضم هذه الانتقادات، دعت الفرق البرلمانية الحكومة إلى اعتماد مقاربة تشاركية جديدة، ترتكز على تشجيع القطاع الخاص للاستثمار في السكن الطلابي، وتحفيز المبادرات الفردية كاستضافة الطلبة داخل الأسر، كما هو معمول به في عدد من الدول.
الفريق الحركي شدد على أن التدخل لا يجب أن يقتصر على البناء فقط، بل يشمل تأهيل الأحياء الجامعية الحالية، وصيانة مرافقها، وتحسين الخدمات الاجتماعية والرياضية بها، من خلال شراكات مع الجماعات الترابية والقطاع الخاص.
أما فريق التقدم والاشتراكية، فثمّن موضوعية التقرير، مبرزاً المثال الصارخ لجامعة ابن زهر بأكادير، التي تستقطب نصف طلبة جهات الجنوب وتتوفر على حي جامعي وحيد لا تتجاوز طاقته الاستيعابية 2900 سرير.
الهدر الجامعي وانعدام العدالة في الولوج
المجموعة النيابية للعدالة والتنمية دقّت ناقوس الخطر حول ارتباط أزمة الإيواء بمعدلات الهدر الجامعي، التي قالت إنها وصلت إلى 50 في المائة، مشددة على أن مستقبل عدد كبير من الطلبة مرهون بالحصول على مكان في الحي الجامعي، في ظل منطق “المحسوبية والزبونية” الذي يطبع أحياناً عملية الانتقاء.
كما تساءلت عن مصير ميزانيات الإطعام والصيانة والصفقات المرتبطة بالأحياء الجامعية، مطالبة بافتحاص دقيق يضمن الشفافية ويربط المسؤولية بالمحاسبة.
الحكومة أمام امتحان سياسي واجتماعي
رغم الجدل الشكلي الذي رافق تقديم التقرير، فإن الجلسة عمّقتها مضامين وثيقة كشفت اختلالات بنيوية ومقلقة في واقع الأحياء الجامعية، ما يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي لتفعيل إرادتها السياسية والتفاعل مع الخلاصات البرلمانية، تفاديا لتعميق الفوارق التعليمية، وحرمان الآلاف من الطلبة من بيئة جامعية تحفظ كرامتهم وتدعم مسيرتهم العلمية.







