كثيرا ما نبهنا وحذرنا في غير ما مقال إلى كثير من الصور النمطية التي تسوقها بعض وسائل الإعلام عن المدرس فتصوره في المجتمع بصورة الأبله في محيطه الأسري والاجتماعي ، واللاهث وراء مصالحه في تلبية أبسط حاجاته الاقتصادية ، الذي يغش في واجباته التربوية والمهنية، المستسلم لابسط إغراء او استفزاز في فصله الدراسي وخارجه لعدم توازنه النفسي، مما أسهم في تردي صورته وسمعته التربوية الى القاع في نفوس الناشئة،
والحال أنه يعاني في ممارسة مهمته من صعوبات مادية وتربوية واجتماعية جمة يحاول جاهدا أن يتجاوزها بما تبقى لديه من كرامة يسعى أن يحفظ بها سمعته ما أمكن حتى يظل واقفا في جو مشحون استقالت فيه الأسرة وضعفت فيه إمكانيات الإدارة القانونية والبشرية في جل المؤسسات التعليمية العمومية، التي تمكنها من تدبير فضائها التربوي الداخلي ، بالإضافة إلى عدم كفاية حضور السلطات الأمنية والقضائية والاجتماعية والثقافية في محيطها الخارجي ،
وفي المقابل تسعى كثير من الاعمال التلفزية والسينماىية ومقاطع الفيديو في وسائط التواصل الاجتماعي الى خلق جو من التعاطف مع التلميذ المنحرف وتبرير تصرفاته العدوانية داخل فضاء القسم وخارج المؤسسة باعتباره ضحية الواقع وصعوباته ، بل إن بعض المواقع الالكترونية سعيا وراء البوز وجلب المتابعين عن طريق الإثارة تجعل من الانحراف والتحرش والتنمر والغش في الامتحانات بطولة وفهلوة ، واعتبار استهلاك المخدرات والجهر بالكلمات النابية على المنصات وأمام الجمهور فنا صرح بعض المسؤولين مع كامل الاسف ذات يوم أنه إبداع شبابي لا يمكن منعه بقدر ما ينبغي تشجيعه لأنه تعبير عن الواقع وإثبات للذات ،
والنتيجة ما أصبحنا نرى ونسمع اليوم مع كامل الاسف من انفلات وعنف وصل حد عدم التورع من إزهاق روح في صفوف نساء ورجال التعليم كلما أحس الانحراف بضعف الحماية القانونية والتربوية والأمنية ، و غابت التوعية الدينية والاجتماعية والإعلامية المسؤولة ،
إن اللعب بالمؤسسة التربوية وبرسالتها كآخر حاجز تربوي هو لعب بالنار ، وما وقع ويقع من اعتداءات هو نذير شؤم ينبغي أن يستنفر الجميع لإعادة ترميم المشهد وإنقاذ ما يمكن إنقاذه ، برؤية شمولية يتم إنضاجها من خلال نقاش وحوار جدي ومسؤول يبادر إليه القطاع الوصي على التربية والتعليم والتكوين في أقرب وقت ممكن ويتحمل فيه المسؤولية المباشرة ، ويشرك فيه باقي مؤسسات الدولة لما لها من أدوار في توفير الحماية والرعاية والتوعية اللازمة وتنزيل سياسات عمومية تساعد على تجاوز الاشكالات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية والصحية التي تتخبط فيها الاسر بما فيها من الأطفال والشباب، وتعيد الى مؤسسات الوساطة التربوية هيبتها وقدرتها على ممارسة مهامها، وتقوم المؤسسات الأمنية والقضائية بدورها في حماية وتوفير الأمان التعليمي في المؤسسات التعليمية وفي محيطها ، ويقوم الإعلام والمجتمع المدني بدوره كشريك أساسي في التوعية والتنبيه عوض التشويه والتسفيه ، وذلك صيانة للمجتمع من كل انحراف قد يؤدي لا قدر الله في ظل أي تأخر أو استهانة بهذه المظاهر التي تخرج هنا وهناك الى انفلات أوسع لا تحمد عقباه ،
فروح هاجر وإن وراها الثرى ستظل تخاطب كل واحد منا وتدق ناقوس الخطر من بعيد وقريب فهل من سامع ومستجيب؟







