اعترف وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، بأن انتشار “أحواش الماشية” وسط الأحياء السكنية بمدينة كلميم، لا يندرج ضمن الظواهر الطارئة أو العشوائية كما يصورها البعض، بل هو امتداد طبيعي لمعطى سوسيو-تاريخي متجذر في المنطقة، يعود إلى عقود طويلة، حيث كانت المدينة محطة رئيسية لعبور القوافل التجارية، ومركز استقرار للكسابة القادمين من القرى المجاورة.
جاء ذلك في رد مكتوب للوزير على سؤالين للبرلماني محمد الصباري، عضو فريق الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، بخصوص ما وصفه بـ”الانتشار العشوائي لأحواش الماشية بحي أمحيريش”، و”معاناة الكسابة من ضعف بنية السوق الأسبوعي بالحي ذاته”، وهي قضايا لطالما أثارت احتجاجات الساكنة المحلية، ووضعت السلطات في قلب تقاطب اجتماعي معقد بين مطالب السكان من جهة، وحقوق الكسابة من جهة ثانية.
وأوضح لفتيت أن عدداً من الأسر القادمة من البوادي، والتي كانت تزاول نشاط تربية الماشية، اختارت الاستقرار في أحياء محاذية لسوق أمحيريش منذ أكثر من خمسين سنة، إما بسبب تداعيات الجفاف أو بهدف تمكين أبنائها من متابعة الدراسة، وهو ما جعل هذه “الأحواش” تتحول إلى جزء من النسيج الحضري، قبل أن يصطدم هذا الامتداد مع توسع المجال العمراني، ويبدأ في التسبب في شكايات متعددة للساكنة المتضررة.
ووفق الوزير، فإن السلطات المحلية ما فتئت تتوصل بشكايات المواطنين حول ما يخلفه وجود هذه “الأحواش” من روائح وأوساخ ومخاطر بيئية وصحية، مشيراً إلى أن المعالجة الأمنية والإدارية لهذه الظاهرة تتم عبر لجان مختلطة تضم ممثلين عن الجماعة، والصحة، والبيئة، والوقاية المدنية، والسلطات البيطرية والأمنية، حيث يتم تحرير محاضر في كل حالة، وقد تصل المعالجة إلى إصدار قرارات إغلاق وإفراغ في حق بعض مستغلي هذه الفضاءات، مع إحالة الملفات الرافضة للإذعان على النيابة العامة.
كما كشف لفتيت أن سلطات باشوية كلميم أقدمت على جرد شامل لكافة “أحواش الماشية” الواقعة ضمن نفوذها، وعقدت اجتماعاً تواصلياً مع مستغليها وممثلي الجزارين بحي أمحيريش، تم خلاله تداول الإشكالات المرتبطة بتعايش هذه الفضاءات مع السكان، وانبثق عنه تشكيل لجنة موسعة بمشاركة مختلف القطاعات والمؤسسات المعنية، هدفها إعداد جدول زمني للمعاينة والتحسيس.
وفي خطوة عملية، تقترح السلطات المحلية حالياً تخصيص فضاءات بديلة لتجميع المواشي، داخل السوق الأسبوعي أمحيريش، كحل انتقالي يتم بتنسيق مع الشركة المفوض لها تدبير السوق، في انتظار التوافق على توفير وعاء عقاري خارج المدار الحضري، لاحتضان نشاط تربية الماشية بشكل نهائي ودائم، مع مشاركة كل من الجماعة والمديرية الإقليمية للفلاحة والغرفة الفلاحية في بلورة هذا الحل.
وارتباطاً بتحسين ظروف الذبح والتسويق، أشار لفتيت إلى أن مشروع تشييد مجزرة جديدة بالمنطقة يسير في مراحله الإدارية المتقدمة، وهو المشروع الذي تعكف جماعة كلميم على إنجازه، ويتضمن ضمن مرافقه إسطبلات حديثة لإيواء الماشية، ما من شأنه أن يخفف الضغط عن الأحياء السكنية، ويوفر بنية لوجيستيكية متكاملة للكسابة ومهنيي القطاع.
وبينما تراهن الوزارة على المقاربة التشاركية لإيجاد توازن بين الحقوق الاقتصادية للكسابة وحق الساكنة في بيئة سليمة، يظل نجاح هذه المقاربة مرهوناً بمدى التزام الجماعة والمصالح الإدارية بتنفيذ المخرجات على الأرض، في منطقة لا تزال تعاني من هشاشة عمرانية واجتماعية تتطلب حلولاً جذرية وليس مجرد مسكنات ظرفية.







